إنه البترول يا...!   عدد القراء : 1574   .

يتنازع العراقيون على مختلف مشاربهم وانتماءاتهم حول ما حصل في العراق من تغيرات كبيرة شملت تركيبته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بعد ان تم تغيير النظام السياسي على يد الأمريكان ومن جاء معهم .
فهذا يقول (تحرير ) وآخر يقول (احتلال) ولكن الحرب جاءت تحت مظلة مخطط شيطاني يشمل المنطقة كلها ولا يستثني أحداً أبداً .

د. سنان أحمد

أثناء الحملة الانتخابية للرئيس الأمريكي السابق كلينتون كان شعاره (إنه الاقتصاد ياغبي) .
وكان يعني به منافسيه وكان هدفه الأسمى تحريك الاقتصاد الأمريكي ودفع عجلته الى الأمام .
وأثناء احتدام النقاش بين التيارات المثقفة في الغرب على صفحات الجرائد وفي الانترنيت وعلى شاشات الفضائيات استعار الصحفي البريطاني الشهير روبرت فيسك من صيغة شعار كلينتون وأجاب أحد منافسيه يسخر منه ومراراً وقال له : إنه البترول ياغبي .
وأكمل فيسك حديثه بأن ما توصل اليه ليس كشفاً إعجازياً ولا وحياً خارقاً وانما لأمر يعرفه حتى أطفال المنطقة وجميع الدمى والعملاء الذين ساهموا بإخراج وإنتاج هذه المسرحية .
ولاحظ السيد فيسك في المقال الذي نشرته ( ذي اندبندنت ) في 18 كانون الثاني 2003 م . أن تقرير الشركات الأمريكية قد اكتشف ان اكثر من مائة بليون برميل من إحتياطي النفط المكتشف وأكثر منه لم يكتشف بعد في الصحراء العربية والذي تمثل ربع احتياطيات البترول العالمية يجب ان يوضع تحت التصرف المباشر لحكومة الولايات المتحدة المبجلة وهذا الاحتياطي يمثل ثاني أكبر إحتياطي ثابت من النفط في العالم !
وعندما يرتبط مصير الحرب وماآلت إليه من أمور بمستقبل ووجود إسرائيل فان وجود الأخيرة  وحمايتها مرتبط أصلا بوجود البترول وكمياته الهائلة في هذه المنطقة من العالم .
فمن المعلوم أن أول اكتشاف بترولي في المنطقة كان عام 1869 م في مصر ثم تبع ذلك إيران والعراق والجزيرة العربية قبل تقسيمها إلى ممالك وإمارات يكاد قسم منها لا يظهر على الخريطة !
وبرزت أهمية البترول بصورة واضحة خلال الحرب العالمية الثانية عندما تحولت الجيوش الألمانية قاصدة(باكو)لاحتلال منابعها النفطية ونزلت في شمال أفريقا قاصدة مصر والجزيرة العربية .
وبعد الحرب العالمية الثانية وخروج الولايات المتحدة كأول منتصر وبريطانيا تلملم جراحها وتحاول لم شمل امبراطوريتها العتيدة بدأت الحرب الخفية بين الامبريالية المنتصرة .. أمريكا والامبريالية الجريحة .. بريطانيا .
وكان العراق الذي تأسس حديثاً من ولايات الموصل وبغداد والبصرة أحد دافعي الثمن الباهض لهذا الصراع بين الأخوة الاعداء على حد تسمية دوستوفكيفي في روايته الشهيرة !
لقد كان هذا الثمن الباهض الذي دفعه هذا البلد منذ تأسيسه هو الانقلابات العسكرية التي تغذيها مرة بريطانيا وشركاتها البترولية وتارة اخرى أمريكا وشركاتها الاخطبوطية ضمن صراعات أخذت أسماء مزيفة كالثورة البيضاء والثورة التحررية وما الى ذلك من استعارات موهمة تحت مسميات شتى .
في حمأة هذا الصراع وبعد انكشاف زيف هذه الحركات بدأت شعوب المنطقة تتلمس حجم المؤامرة عليها وأن أهم عامل في جمعها وتوحيدها ( الاسلام) صار هدفاً رئيسياً في هذه المؤامرة فكانت النتيجة عكسية حيث وعت الشعوب هذا الامر فكان الالتفاف حول الحركات الاسلامية شيئاً لم تكن تتوقعه الجهات الامبريالية في يوم من الايام .
إن الخط الاحمر الذي رسمه رجل الأعمال الارمني كالم ست كولبنكبان مؤسس شركة البترول التركية للمنطقة وبقلم عريض في دايات القرن الماضي أصبح الأساس لكل الحركات السياسية في المنطقة والتي كانت الأصابع الأمبريالية واضحة في تأسيسها ودعمها وتزويدها بالمال والسلاح .
ويعرف العراقيون أكثر من غيرهم بأن الدبابات الأمريكية عندما دخلت بغداد توجهت بصورة مباشرة نحو (وزارة النفط) لحمايتها بينما كانت المتاحف والمستشفيات والمكتبات تنهب وتحرق لكي يمارس الشعب العراقي حريته الجديدة على حد قول دونالد رامسفيلد .
قبل غزو العراق صرح خبير الاستثمارات الأمريكي في شركة موبايل للبترول السيد غيث فاضل وهو من أصول عربية لمجموعة من المستثمرين وفي شهر كانون الأول من عام 2002 م بأن موضوع الحرب المقبلة هو النفط ولا غيره وأن الحرب على الإرهاب ليست الا تمويهاً للتستر على الهدف الحقيقي للحرب .
لقد بدأ العراقيون يستغربون كم كان حجم الكذب الذي وعد به بوش ورامسفيلد وولفويتز عندما وعدوا العراقيين بالديمقراطية وبدأوا يستجمعون ما بقي لهم من ذكريات عن البريطانيين عندما وعدوهم  الوعود نفسها ولم يسلطوا عليهم الا أنظمة عميلة لا تحظى بأية شعبية .
واذا كانت الامبراطوية الأمريكية أقوى من سالفتها البريطانية وأشد فتكاً فإن الشعوب لم تعد بتلك الدرجة من السذاجة وإن كانت نسبة العمالة أكثر من السابق !
وفي هذا الصدد قال السيد غيث وهو يعبر عن وجهة نظره (ليست لدى الأمريكيين عداوة ضد شعب العراق لكن أسلوب حياتنا في أمريكا يعتمد على 20 مليون برميل من البترول يومياً ينبغي استيراد نصفها إننا مثل مريض موصول بجهاز غسيل البترول عوضاً عن الدم إنها مسألة حياة أو موت ، كل الأذكياء يعرفون ذلك لكنهم لا يعلنونه في البرامج التي يشاهدها معظم الناس ، إن الولايات المتحدة التي صرح وزير دفاعها عام 1987 بأنها ( لا تستطيع إحتمال رؤية العراق مهزوماً ) عندما كانت مصالحها آنذاك تقتضي هذا الموقف هي الدولة نفسها التي رمت علية عشرات الألوف من الاطنان على مدى خمسة عشر عاماً (لتحريره ) وفق أكذوبة تصدير الديمقراطية
فهلا وعى سياسيونا الصغار أصول اللعبة وهم يطالبون بهذا وذاك من الأرض والبترول ، وهل ينطبق عليهم غير النداء ( إنه البترول ياغبي ) بالتأكيد فهم لم يتعلموا من اللعبة سوى ملء الجيوب وحب الظهور والعيش في غمرة النرجسيات وحب الذات وربما سيتحول الشعار انتبهوا أيها العملاء الأغبياء فالسيدة الكبيرة (أمريكا ) لا تراعي أحداً ولا تحترم أحداً أبداً .