قصة قصيرة : الفحام   عدد القراء : 1398   .

نواف رجل كادح .. يعمل فحاماً .. لم يبلغ الاربعين من العمر بعد .. ما يكسبه من خلال عمله المجهد يشتري به لعياله ما يسد رمقهم ويفرحهم. غضون جبينه وتجاعيد وجهه المبكرة تنم عن سحنة لوحتها الشمس وأحالتها  طبيعة مهنة الفحم الى سمرة زاحفة نحو السواد عائلته كبيرة ومورده المالي ضعيف .. أضناه الهم فأخذ يتنفس الصعداء مع متطلبات المعيشة المتزايدة..
قفزت الى ذهن نواف فكرة .. اعتبرها تنفيساً لوضعه المزري .. او هكذا بدا له على الأقل الفكرة التي قفزت الى ذهن نواف هي ان يشتري بطاقة يا نصيب فعسى ان تكون الجائزة الاولى او حتى الثانية او الثالثة من نصيبه..
قرر هذا الرجل ان يجازف بسعر البطاقة ، فعسى ولعل... اشترى نواف البطاقة وبقي اسبوعاً يعيش حلماً راوده ... ولكن لم يعرف الطريق اليه...
انه حلم التمكن المادي .... ليؤدي ما عليه تجاه طلبات ضرورية لاسرة ليست صغيرة...
لم يخبر نواف احداً من اسرته بما قام به سوى ( نشميه ) زوجته الطيبة القلب...
البطاقة في جيب نواف يخرجها من الجيب بين الحين والاخر يلقي عليه نظرة ويشمّها ويقبلها ثم يعيدها بلطف بجيبه انه يحس انها تبنض في جيبه نبضاً متزامناً مع نبض قلبه المتعب المترقب فوزاً بجائزة مغربة يسيل لها اللعاب..
احس نواف ان هذا الاسبوع يمر بطيئاً...
يا الهي متى ياتي يوم الخميس حيث سحبة اليانصيب .. فربما يحدث ما يحدث...
بعد صبر عسير .. ها هو يوم الخميس .. صباحاً  مشرقاً لا يعكره شيء اسرع نواف الى صاحب المحل الذي اشترى منه البطاقة ليعرف النتيجة يا لسرعتك يا نواف وانت تتجه نحو شعلان الذي اشتريت منه البطاقة .. تمهل يا نواف كادت حافلة نقل الركاب ان تدهسك وتدهس احلامك معك هكذا كان يتحدث مع نفسه ناهراً اياها من العجلة التي قد تحرق الاخضر واليابس!! هاهو ذا امام صاحب المحل المقصود ها هي قوائم الارقام الفائزة اخرج البطاقة من جيبه .. ازداد نبض قلبه ويبس ريقه ... بادر شعلان ونظر الى رقم بطاقة نواف وصرخ مهنئاً اياه بالفوز بالجائزة الأولى الذي يسيل له اللعاب حقاً ... خاصة بالنسبة الى وضع نواف.. عانقه نواف وبكر ... وكاد يسقط على الارض..
لولا مساعدة صاحبه وإجلاسه إياه واعطاؤه قدح ماء بارد ... نَعَم فأنَّ من الفرح ما قَتَل ... دارَ في رأس نواف شريط عما سيشتريه...
وكان نواف قد قرر بل اقسم اذا فاز بالجائزة الاولى ان يخلع قميص العمل الذي سوّده الفحم والدخان ويَصُرّ بداخله جلاميد كبيرة من الحصى. ويلقيه في نهر دجلة... فان التخلص منه يعني توديع مهنة شاقة وصعبة.. وفعلاً هرع الى شاطئ دجلة وخلع قميص معاناته وصر بداخله جلموداً كبيرا من الحصى، وهوى به في مياه النهر بعيداً عن الشاطئ، ليختفي عن ناظره..
قهقه نواف قهقهة الانتصار بعد أنْ بَرَّ بقسمه وعاد ليبشّر اسرته بهذا الحدث السعيد..
ويكون على موعد مع استلام المبلغ الكبير الموعود.. وكعادته بين الحين والاخر مد يده ليخرج البطاقة من جيب سرواله .... ولكن.. ولكن لم يجدها .... اعاد البحث مرات كثيرة والنتيجة واحدة.. يبس حلقه وتسارع نبضه ... ثم توصّل الى ما بدا له انّه لا بُدَّ منه ولا محيص عنه.. لقد القى نواف قميصه في النهر بسرعة فائقة وبعصبية مفرطة ولم يدر ان البطاقة في كيسها النايلوني الصغير بجيب القميص الذي استقر في اعماق عميقة ومتاهات سحيقة لا يعلمها إلاّ الله..
وقف نوّاف على صخرة كبيرة مشرفة على الشاطئ يَنتظِر ما لا يُنتظَر..
بكى نوّاف بكاءً مُفجعاً واطلق صوتاً مفزعاً..
وملأ جيوبه وعِبّه بجلاميد الحصى الكبيرة..
وقرر ان ينهي مسرحية حياته الشاقة بهذا الخيار السيئ..
هذا الخيار الذي الهمه إِياه شيطانه وأمّارته بالسوء..
انه يختلج.. يختلج.. كما لو ان كهرباءً قد صعقته.. انه يزمجر..
ثم هوى في لجة تيارات دجلة المائجة الهائجة.. ليختفي هو الآخر.. منحدراً الى العمق السحيق للنهر..
في وقتٍ كانت أمواج النهر تضرب بعنف الشاطئ الحزين.. كأنها تسخر مِن يأس الفحّام وانهزاميته من الحياة التي لا مجال لها لليائسين والمنهزمين....