مجزرة حديثة : خطأ فردي أم نهج رسمي   عدد القراء : 2726   .

البصائر / وكالات

جريمة حديثة ، مكانها حديثة ، اسلحة حديثة انواعها فتاكة . مجرمها قديم ،أوصافه زنيم ، وأمرهُ تعتيم ، لا تأمنوا شباكه .
بهذه الكلمات القليلة ارتأينا ان تبدأ قراءة الاجابة على التساؤل الذي عنونا به المقال ، لان نظرة سريعة عابرة ، او بطيئة ومعمقة لتاريخ حروب امريكا وعدواناتها على شعوب العالم، تقدم الجواب القاطع والحاسم والذي لا يستطيع أي خروف في القطيع الموالي لامريكا ان ينكره.
ومع ذلك علينا ان نعيد التذكير ببديهيات الواقع وبما يجري فيه او جرى فيه ، عراقيا وعالميا ، لاجل ان نضع الرأي العام العربي والعالمي أمام الحقائق ، لان الة الاعلام الامريكية ، وتلك التابعة لها في الوطن العربي والعالم ، تحاول ارباك الراي العام وتضليله ، بنسج الاكاذيب ، والتي هي صناعة رسمية امريكية توجد مكاتب رسمية لها في الخارجية والبنتاغون اضافة لاجهزة المخابرات ومراكز البحوث . ومن بين اهم الاسئلة ما يلي : هل كانت مجزرة حديثة خطأ ارتكبه جنود طائشون ؟ ام انها كانت نتاج سياسة عامة مقررة ومقصودة ولها اهداف محددة ؟ واذا كان الجواب نعم انها سياسة عامة وليست خطأ فالسؤال التالي ضروري جدا : ما هي الاهداف الكامنة وراء تعمد امريكا ، وبقرار من الرئاسة ذاتها ، قتل المدنيين بطريقة بشعة ومخيفة بصورة عامة ؟ ولماذا يستخدم الجيش الامريكي اسلوب التعذيب عبر اغتصاب النساء والرجال والاطفال في العراق على نطاق واسع ومخطط ؟ كي نجيب على كل هذه الاسئلة علينا ان نعود لتاريخ حروب وعدوانات امريكا وان نذكر بمجموعة حقائق .

الجوهر : الاحتلال جريمة منظمة

لن نطيل في هذه النقطة بل سنكتفي بالتذكير بموقف الامم المتحدة وفرنسا والمانيا من غزو العراق ، فالغزو تم بقرار امريكي – بريطاني ودون قرار او تخويل اممي من الامم المتحدة ، رغم ان الاخيرة لا تملك حقا قانونيا في شرعنة احتلال بلد مستقل وعضو فيها ، ولذلك لم تؤيد الاحتلال المانيا وفرنسا وروسيا والصين ، وجاء الامين العام للامم المتحدة السيد كوفي عنان ليثبت هذه الحقيقة الواضحة ويعبر عنها باصرح واوضح القول : ان احتلال العراق لم يكن بقرار من الامم المتحدة وانه غير شرعي .
اذن وفي ضوء هذه الحقيقية ، التي لا ينكرها أحد، فان امريكا وبريطانيا ، وكل دولة شاركت في ارسال قوات او دعم لامريكا لمساعدتها على غزو العراق والبقاء فيه ، تتحمل مباشرة ، قانونيا واخلاقيا وسياسيا ، كل ماسببه الاحتلال لشعب العراق وللمنطقة ، وللشعب الامريكي أيضا ، من الآم ومآس تمثلت في سلسة من الجرائم بشعة والخسائر الهائلة ، ومنها تدمير بلد كامل ونهب اموال افراده ودولته وتدمير متاحفه وجامعاته وقتل علماءه وفنانيه وشعراءه وكتابه وساسته ، اضافة لقتل ما لايقل عن ربع مليون عراقي مدني بيد الاحتلال . وقتل ربع مليون أنسان هو الحد الادنى لضحايا الغزو طبقا لاحصاءات أولية ، الرقم فيها قابل للزيادة وليس للنقصان ، قامت بها منظمات مدنية عراقية واوساط قريبة من المقاومة العراقية ، وقد اعترفت مجلة لانسيت الطبية البريطانية الشهيرة بوقوع مائة الف قتيل مدني عراقي على يد الاحتلال ، واعترف جورج بوش الرئيس الامريكي شخصيا بقتل الاحتلال لثلاثين الف عراقي مدني ! اضافة لمقتل وجرح واعاقة الاف الامريكيين بسبب الحرب .

وتزداد بشاعة الجرائم الامريكية حينما نلاحظ ان جرائم الابادة الجماعية الرهيبة للعراقيين قد اقترنت باغتصاب متعمد ، وعلى نطاق واسع جدا ، للنساء والرجال والاطفال ، والابشع انها تمت ، وما زالت تجري حتى الان ،امام اهل الضحايا واصدقائهم وجيرانهم ، ليس في سجن ابو غريب وحده بل في المعتقلات الامريكية السرية والعلنية المنتشرة في العراق وفي المدن والقرى والحارات التي يتم اجتياحها عسكريا ويبلغ عدد ضحايا الاغتصاب الجنسي بالمئات. وما حدث في الضلوعية دليل اخر على ان الاغتصاب سياسة رسمية وليس تصرف فردي فلقد هدد علنا القائد العسكري الامريكي في تلك المدينة شيوخها بان كل نساء المدينة سيتعرضن للاغتصاب اذا لم يسلم من اتهموا بمهاجمة قوات الاحتلال .
ما معنى ما سبق ذكره والتذكير به ؟ ان المعنى الاهم المتضمن في الحقيقية السابقة هو ان الغزو بذاته قام على الجريمة المنظمة باعلى اشكالها بشاعة وتنظيما واعدادا على يد عصابات اسستها وقادتها وتقودها امريكا ، و كان القتل الجماعي والتعذيب المخطط للسكان جسديا ومعنويا احد اهم اهداف الاحتلال التي اراد الوصول اليها لضمان اخضاع الشعب العراقي له والتوقف عن مقاومته ، والتخلي عن دعم الناس العاديين للمقاومة . هذا هو الاساس الذي يجب ان يستند عليه كل نقاش حول ما جرى ويجري في العراق وكل ما عداه ليس سوى ظلال او تضليل متعمدين ، يقصد بهما التستر على جرائم الاحتلال واخفاء بشاعتها .
وجريمة حديثة تقع ضمن هذا الاطار ،  وللتذكير فقط انها جريمة صغيرة رغم بشاعتها اذا قورنت بجرائم رسمية اخرى ، رأى العالم لقطات منها عبر شاشات التلفزيون واعترفت الادراة الامريكية بارتكابها لانها كانت ضرورة عسكرية حسب رايها ! وفي مقدمتها جريمة تدمير الفلوجة كليا وتهجير 300 الف مواطن من دورهم واسكانهم في مخيمات ، وقتل الالاف منهم  اثناء تدمير المدينة ، واستخدام المساجد فيها بعد التدمير لاغتصاب النساء ومعاقرة الخمر وقتل الجرحى عمدا ! وتكرر تنفيذ هذه الخطة في سامراء والقائم والرمادي والكرابلة وتلعفر وراوة وبعقوبة والمحمودية واليوسفية واللطيفية ، وغيرها من المدن التي تعرضت للابادة .

حماية المجرم : من يقوم بها ؟
وهناك حقيقة اخرى جوهرية في هذا السياق وهي ان جريمة حديثة كغيرها ما كان لها ان تقع لو ان العسكري الامريكي خاضع للقانون ويحاكم اذا ارتكب جرائم حرب او جرائم ضد الانسانية ، لانه سيفكر كثيرا قبل القيام بتلك الخروقات خوفا من العدالة . لكن الحكومة الامريكية وبصورة رسمية وعلنية قالت انها لن تسمح بمحاكمة من يرتكب جرائم من جنودها ، وعقدت اتفاقات ثنائية مع دول كثيرة لا تسمح بمحاكمة منتسبي جيشها الذين يتهمون بارتكاب جرائم حرب ورفضت توقيع اتفاقية انشاء محكمة الجنايات الدولية التي تحاسب من يرتكب جرائم حرب . وقد عرف كل عسكري امريكي سلفا انه لن يحاكم اذا ارتكب جرائم اثناء الغزو والعدوان . ما معنى هذا الموقف الامريكي ؟ معناه الابرز هو ان امريكا تريد من العسكري الامريكي ان يكون حرا في القيام بما يشاء من اعمال لضمان الانتصار في الحرب ، وبالاخص تريد منه كسر وتجاوز قوانين الحرب كافة والقيام بكل ما يضمن اخضاع العدو ! ان الحكومة الامريكية تتحمل المسؤولية الاولى عن جرائم عسكرييها ، حتى لو لم تصدر اليهم الاوامر مباشرة ، لان هناك واقعة يعرفها العسكري الامريكي وهي انه غير معرض للحساب القانوني الدولي والمحلي ، كما ان تربيته العسكرية والاجتماعية علمته ان قتل الاخرين ممكن وطبيعي للدفاع عن امريكا وامنها ومصالحها .
ولاجل الاستمرار في خداع الراي العام خصوصا في امريكا فان الحكومة الامريكية قدمت اكباش فداء للتملص من الفضائح التي كشفت لاسباب مختلفة ، لكن اكباش الفداء هؤلاء لم يعاقبوا بمستوى الجرائم التي ارتكبوها ، بل صدرت بحقهم احكام خفيفة جدا تكفي لتحملها مقابل اغراءات مادية كبيرة تدفع لمن احيل للمحاكم الامريكية . ان التوبيخ او السجن ثلاث او اربع سنوات عن جريمة تعذيب شيخ او طفل او امراة عراقية هي في الواقع مجرد محاولة للتخلص مما اثير وتسرب او سرب ، وهو اجراء يتنافى مع روح ونص القانون ، لان العقاب يجب ان يكون بحجم ونوعية الجريمة طبقا لمكان ارتكابها وليس طبقا لقانون بلد من قام بها في بلد اجنبي . وهذه نقطة مهمة يجب شرحها .


إن النظام القضائي الامريكي القائم على الدور الاساس للمحلفين ، وهم حفنة من غير رجال القانون يصدرون الحكم بالبراءة او الادانة وليس القاضي ، يتأثر مباشرة بالبيئة الامريكية ، وهي بيئة يصنع اتجاهاتها الاعلام . وبما ان الحكومة الامريكية والاعلام الامريكي شيطن العراق وقيادته لعدة عقود ، واقنع المواطن بصفة عامة بان غزو العراق هو عبارة عن (عمل انساني لنشر الديمقراطية وانقاذ شعب العراق ) ، وهذه القناعة الزائفة ايدها في بداية الغزو اكثر من 70 % من الراي العام الامريكي ، لذلك فان المحلفين ينحازون تلقائيا لمواطنيهم المتهمين بارتكاب جرائم ضد العراقيين لانهم بنظرهم (محررين وابطال ومدافعون عن امريكا وقيم الحرية) كما روج الاعلام ، وهذا الانحياز يعبر عن نفسه في تبرئة المتهمين او اصدار احكام خفيفة او تمويه التهم الكبرى وتقزيمها ، باخفاء او تجاهل حقائق كبيرة . وفي يوم 2 – 6 – 2006قرر محلفون في محكمة عسكرية امريكية عدم سجن جندي هدد الاسرى العراقيين بكلب شرس وفمه غير مغلق ، وقرر قيامه بعمل شاق لمدة 3 شهور ، الامر الذي يعني اجباره على القيام باعمال رياضية !
ما الذي تجاهله او جهله هؤلاء المحلفين ؟ لقد تجاهل هؤلاء حقيقة يعرفها عشرات العراقيين الذين تعرضوا لهجوم الكلاب الامريكية المدربة على نهش الاعضاء التناسلية للاسرى العراة ، او نهش وجوههم ومؤخراتهم ! فهل نشر الاعلام الامريكي قصص عن نهش اجزاء حساسة من جسد الانسان ؟ هناك اليوم في العراق عشرات الاشخاص الذين شوهت وجوههم  او اجزاء من اجسادهم نتيجة نهش الكلاب الامريكية لها ، وعملية النهش لم تكن بقرار فردي من الكلب بل نتيجة تدريبه على نهش اجزاء محددة من الجسد مما يؤكد الطبيعة الاجرامية لعملية الغزو ! وسجلت كاميرات هذه الحالات ضمن خطة اعداد ملفات جرائم امريكا في العراق . ولهذا فان نظام المحلفين الامريكي وهو اساس المحكمة الامريكية منحاز سلفا ومتأئر بالبيئة الاجتماعية والسياسية الامريكية التي يصنعها الاعلام ، المرتبط رسميا باجهزة حكومية امريكية كما اثبتت تجربة العراق . واعلن مؤخرا ان 77 قناة تلفازية امريكية وجهتها الحكومة الامريكية لترويج اكاذيب حول العراق لاجل اقناع الراي العام بغزوه . اذن حتى المحاكمات التي تدعي امريكا انها تجريها لمن يرتكب جرائم ما هي الا محاولة لتجنب غضب الراي العام الامريكي والعالمي وليس لتحقيق العدالة ، فالعدالة تفرض ان يحاكم العسكري الامريكي الذي يرتكب جرائم في محاكم عراقية لانه ارتكب جريمته في العراق اولا ولان الضحايا عراقيون ثانيا .

ان رفض امريكا تسليم من ارتكب جريمة ضد العراقيين الى القضاء غير الامريكي ، ثم اصدار احكام خفيفة او تبرئة من ارتكب جريمة نتيجة انحياز المحلفين هو الذي يجعل العسكري الامريكي مستعدا لارتكاب كافة انواع الجرائم خصوصا البشعة منها ، وهذا هو بالضبط مايريده بوش ورامسفيلد وتشيني شخصيا  .