كيف تحولت سفينة الأعظمية إلى بارجة حربية؟!   عدد القراء : 2952   . New Page 1

المحتل الغاشم وغلمانه حولوا سحر محلة السفينة الغافية على جرف دجلة إلى كدر.. لكنهم خسئوا ونكصوا!


ان ما حل بالسفينة البغدادية، لا يختلف عما حل بمثيلاتها من محلات مدن العراق، فالمصيبة واحدة، والدمار عام شامل، والدماء العراقية مختلطة، لا تعرف لها هوية سواء اكانت لمسلم ام لمسيحي. شيعي، سني، كاثوليكي، آرثذوكسي، صابئي أم يزيدي لكن الواضح الجلي ان تلك الدماء الغزيرة كانت لعراقيين عاشوا بصفاء ومودة ورحلوا وهم يلعنون الاحتلال وعملاءه.
قبل ان يحل الاحتلال الغاشم في ارضنا، لم تكن محلات العراق تعرف أي معنى للعرقية او الطائفية، ففي كل محلة تجد الوانا متداخلة لاسر تنتسب الى مذاهب ومعتقدات متباينة، بل انك تجد في الاسرة الواحدة افرادا يختلفون في المعتقد الديني او السياسي، ولكنهم يعيشون تحت سقف واحد، ويتواصلون مع الحياة بمسيرة متقاربة ومتوائمة.
لو حاول احد القراء استعادة صور سكان المحلة التي سكنها، لوجد فيها اطيافا متنوعة من الاسر، ولو حاول ان يتذكر ان كان قد طرح تساؤلات عن اختيار هذه الاسرة او تلك سببا لسكناها هذه المحلة بالذات، ومن اين جاءت، وما هو انتسابها، وما هي انتماءاتها....؟! فسوف يأتيه الجواب بالنفي وذلك لسبب بسيط في مظهره عميق في جوهره، وهو ان طرح مثل هذه الاسئلة الشخصية لم يكن يخطر على البال ابتداء وذلك راجع الى التداخل والتشابك الشعبي المتجذر في صلب علاقة القربى او المصاهرة او الانتماء القبلي.... الخ اضافة الى رواسب العادات والتقاليد والموروثات الاجتماعية التي لا تسمح بمثل تلك النظرة العنصرية الضيقة.
في محلات، رأس الكنيسة، وطاطران، وسوق حنون، والشورجة، كنت تلتقي بأسر يهودية، ومسيحية واسلامية، متعايشة تربط بينها قواعد الجيرة والتواصل، وفي محلات رأس الساقية، والتسابيبل، وباب الشيخ والجعيفر والخلاني وست نفيسة، هناك شيعة وسنة، كورد فيليين وتركمان، ... تجد المتدينين الذين يتوجهون الى المساجد، وتجد الذين يهرعون، الى الشاطئ الجميل، لدجلة. اي ان كلا منهم سائر في طريقه، لا قوة تحاسب الفرد علي افعاله غير قوة القانون، هكذا كانت تعيش المحلات العراقية... تقارب وتراحم، وحماية ذاتية نفسية مستقاة من ارث وتقاليد وعادات في ظل قوانين مطاعة محترمة وسلطة واحدة فقط، هي سلطة الدولة وحسب. وهذا لا يعني بانه لم تكن هناك بعض التجاوزات الفردية الضيقة، ولكنها باية حال لم تكن لترتفع الى الاعمال الاجرامية المنظمة التي تجتاح المحلات في وضح النهار فتفتك بالناس المسالمين وتتركهم في الشوارع بين جريح او مشوه او قتيل!.
حينما غادرنا جانب الكرخ عام 1945، ذلك الجانب المحبب الذي عاش فيه الآباء والاجداد، والذي تمتعنا فيه بعلاقات وطيدة مع زملائنا في الدراسة والجيرة الحسنة، صور لنا صغر سننا وقلة تجربتنا ان جزءا مهما من حياتنا قد تلاشى هناك، وان لا عودة للايام السالفة المليئة بالعفوية والود، ولكن.... ما كدنا نستقر في بيتنا الجديد في محلة السفينة من الاعظمية، حتى تفتحت امامنا ابواب زاهية تؤدي الى جنان خيرة من الجيرة الجديدة المليئة بالمحبة والتعاطف والحنان والآمال الوردية.
ذات مرة سألت استاذي الشاعر الراحل ناجي القشطيني (الذي جاورناه في محلة السفينة بعد ان جاورناه في الكرخ ايضا) عن مصدر تسمية هذه المحلة: فقال (انها لا ترتبط باسمها الاصلي الذي نشأت عليه، اذ انها معروفة تأريخيا بسوق البرمكي، وهناك مصادر اخرى لهذه التسمية ترجع الى التداول التراثي الشعبي اكثر من الموثوق المثبت، اما انا فاعتقد ان التسمية جاءت من شكل المحلة ذاتها، فلو ابتعدت قليلا حتى نهاية الكورنيش من جهة الجنوب حيث البداية ثم نظرت الى نهايتها عند موقع الجسر الخشبي، لوجدتها اقرب الى شكل سفينة رأسية على شاطئ دجلة). لقد استحوذت علي هذه الفكرة فأخذت - ذات يوم- دفتر رسم كبير وجمعت بعض اصحابي من ابناء المحلة وانطلقنا بالسير من موقع نادي النداء الاجتماعي في الطرف الجنوبي من الكورنيش متجهين نحو الجسر القديم، ومنه صوب المقبرة الملكية فالعودة الى بداية الانطلاق جنوبا... كل ذلك وانا ارسم خط السير خطوة فخطوة، وحينما عدنا الى ملتقانا واستقر بنا الحال، رجعنا الى ذلك المخطط البدائي حيث صور لنا خصب الخيال او ربما الايحاء بأن محلتنا هذه هي عبارة عن (سفينة شراعية تحمل على متنها.... سكانها وملاذاتهم واسواقهم وحدائقهم وامتعتهم).
كانت محلة السفينة، مطمح العوائل الموسرة التي كانت تأتي اليها من جميع انحاء العراق، لما اشتهرت به، من جو نظيف صحي، وحدائق وبساتين لا حصر لها وكورنيش يقبل نهر دجلة صباح مساء وحيث تصطف على جانبه دور وقصور، وتسبح في مياهه الجارية (مسناته) الرشيقة الطويلة.
لقد كانت تسكن محلة السفينة يوم حللنا بها، أسر وشخصيات بارزة من امثال، الحاج امين الحسيني مفتي فلسطين، والدكتور اسماعيل الصفار، والقاضي عبد العزيز الخياط، وعبد الكريم بافي، والشيخ قاسم القيسي، وعبد الفتاح ابراهيم، والسيد نوح، وعميد الشرطة درويش لطفي البكري، والدكتور سليم خياط، وجميل الاسود،، وعوائل اخرى من آل الاعظمي، والوتري، والبرزنلي، وحداد، والمشاط، والوهب، والبدري، والاوقاتي، والسعدي والالوسي، والخوجة، والشابندر، والوادي والفلكي.... الخ بل هناك عوائل يهودية معروفة سكنتها او اصطافت فيها كعائلة المصارع نعيم تفاحة، وعبوديا، ودلالي، وربيع... الخ.
ولعل من ابرز مظاهر ذلك التلاحم والتآخي بين ابناء الشعب الواحد هو ذلك اليوم الذي احتضنت فيه محلة السفينة المرجع الديني الكبير السيد ابو الحسن حينما داهمه المرض فنزل ضيفا معززا مكرما عليها طيلة فترة علاجه، الى حين اختاره الرفيق الاعلى الى جواره حيث جرى له تشييع ضخم من هذه المحلة بالذات شاركت فيه طوائف الشعب، وما زلنا نحن صبيان السفينة آنذاك نحفظ لحد اليوم مطلع ترديد الوداع الاخير الذي يقول (رحمة الله عليه كلما هب النسيم).
في هذه المحلة، اصبح لنا اصدقاء وزملاء دراسة، نتجمع صباحا في الساحة المقابلة لبيتنا، لنسير بين البساتين ومشاتل الزهور حتى المقبرة الملكية ومن هناك ننطلق في شارعها لنمر على دار المعلمين الابتدائية ثم ثانوية البنات، فحديقة النعمان، ولنعرج نحو شارع المعظم فثانوية الاعظمية للبنين المطلة على ساحة عنتر والنادي الاولمبي. اما سويعات راحتنا فقد كانت تحددها المواسم كالسباحة قرب مسناة قصر عبد الخالق على النهر، او اللعب ضمن فريق السفينة لكرة القدم، او التمشي على الكورنيش حتى سلسلة (الجراديغ) المحاطة بالبساتين ومزارع (اللوبياء والخيار والبطيخ والرقي... الخ) والمطلة على نهر دجلة. او التجول في شارع الجسر حيث المقاهي والمكتبات ودكاكين الخضروات والعطارة والعيادات والصيدليات المنتشرة حتى شارع الاعظمية الرئيسي قرب جامع ابي حنيفة النعمان. وكان من اشهر المواقع في السفينة آنذاك معمل صالح افندي للنسيج، وطرشي ذيب، ودلالية ياسين، ومقهى الرصافي، ومكتبة الثقافة، وتبوغ السيد عبد المجيد البدري، مختار المحلة، ومدرسة السفينة الابتدائية، ومحل تصليح الدراجات،.... الخ، ثم تتسلسل الدكاكين المختصة ببيع اللحوم والقرطاسية والفواكه والخضروات حتى مقهى الجرداغ الذي لا يبعد سوى بضعة امتار عن المقبرة الملكية، ولربما سنح لنا الوقت فزرنا بعض زملاء الدراسة في محلات النصة وشارع عشرين والشيوخ وراغبة خاتون، لنعود ادرجنا باتجاه آخر يبدأ من دار العلوم فمحلة الحارة حيث عيادة شبلي وبيت ثنيان وبيت الشيخ علي، فساحة الجسر ومنها الى مدخل الكورنيش لنستعرض باعجاب وافتتان تلك البيوت المنسقة ذات الطابع الشرقي الاصيل الغني بالريازة والالوان الجذابة الزاهية..
كانت لمحلة السفينة برامج متنوعة الا ان اهمها كان يتركز على الجوانب الرياضية التي تستفيد من النهر وسواحله، كسباقات السباحة، والمصارعة، والتجديف والملاكمة وكرة الريشة والطائرة...الخ ولم تكن تلك الفعاليات مقتصرة على هذه النواحي فحسب، بل كان لعشاق المربعات البغدادية دورهم الفني المحبب، فيا طالما استمع الجالسون على الشاطئ الى اصوات ساحرة تنطلق من زوارق عشاق السهر وهي تردد مقامات اللامي والبهيرزاوي، والبنجكاه... الخ.
بمرور الزمن اصبح لنا اصدقاء وزملاء كثر يترددون على السفينة بين الحين والآخر اذكر منهم (ابو بكر عبدالله الحضرمي) وهو لاعب كرة شهير، وعيسى على عيسى (من امراء زنجبار) الذي نال الجائزة الاولى كاحسن ملاكم في وزنه على نطاق العراق، كما كان من الاصدقاء المترددين عليها ايضا الممثلون المسرحيون شهاب الكصب، ومحمد القيسي، وفخري الزبيدي وحميد المحل.. الخ ومن الرسامين نزار سليم وخالد الرحال. وغيرهم، ومن الموسيقيين، عازف العود سلمان شكر، وعازف الجوزة شعوبي ابراهيم.
استعرضت امامي (على طريقة الرجوع الى الماضي) كل تلك الذكريات، وانا اشاهد من على الفضائيات، واقرأ الصحف وهي تسرد لنا تلك الجريمة الدموية البشعة للاجتياح الغوغائي الذي حدث يوم الثامن من نيسان الماضي لمحلة السفينة- الراسية على شواطئ المحبة والالفة والتآخي بين ابناء الشعب الواحد، ليحولها ذلك الهجوم المتوحش الى ساحة اشتباكات ومعارك لا تعرف للابرياء حرمة، ولا للطفولة رعاية، ولا للاماكن المقدسة كرامة. ولقد ذكر لي صديق قديم هاتفيا، ان مستشفى النعمان، التي كانت ولم تزل جار هذه المحلة وملاذ مرضاها وغيرهم من العراقيين، اجتاحتها موجات واسعة من اطلاق الرصاص، فضجت صارخة من هول تلك الفوضى العارمة التي اقضت مضاجع النيام الغارقين في مأساة آلامهم وزادت من عنائهم واوجاعهم واحاطتهم بجو من الخوف والرعب.
ان ما حل بالسفينة البغدادية، لا يختلف عما حل بمثيلاتها من محلات مدن العراق، فالمصيبة واحدة، والدمار عام شامل، والدماء العراقية مختلطة، لا تعرف لها هوية سواء اكانت من الشمال ام من الجنوب، ان كانت لمسلم ام لمسيحي..... شيعي، سني، كاثوليكي، آرثذوكسي، صابئي أم يزيدي لكن الواضح الجلي ان تلك الدماء الغزيرة كانت لعراقيين عاشوا بصفاء ومودة ورحلوا وهم يلعنون الاحتلال وبطانة السوء التي أباحت وسوغت له القيام بكل تلك الجرائم البشعة التي يتصبب لها جبين الانسانية خجلا واشمئزازا.
ان الشيء الوحيد الذي بات يعلمه العراقي علم اليقين هو ان تصرف ذلك الهائج الوحشي الهمجي الذي يتهدد او يذبح اي انسان امامه، انما لا يفعل ذلك بدافع فردي شخصي لاختلاف بالهوية او العقيدة او المذهب، وانما يقوم بذلك تنفيذا للاوامر المرسومة التي تصدر اليه..... وهي بالطبع مدعومة بالتخطيط والاسناد والحماية ثم بالمال وهو العنصر الاهم.
كل هذا وغيره حدث لمحلة السفينة فجأة لتتحول تلك الجنينة السياحية المتلألئة ضياء، والراسية على جناح المثل الشرود من الاطمئنان والرخاء، الى بارجة حربية قاسية الملامح متجهمة السحنة، مشتعلة بنار الحقد والجبروت وطغيان المحتل الغاشم.