| الإسلام شريعة ومنهاج حياة   عدد القراء : 1613   . قَالَ اللهُ تَعَالَى: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنْ الأَمْرِ فَاتَّبعْهَا وَلاَ تَتَّبعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ)، وقَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً). وعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: (خَطَّ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) خَطّاً ثُمَّ قَالَ: هَذَا سَبيْلُ اللهِ، ثُمَّ خَطَّ خُطُوطاً عَنْ يَمِيْنِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، وَقَالَ: هَذِهِ سُبُلٌ عَلَى كُلِّ سَبيْلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ، وَقَرَأَ: (وَأن هذا صِراطي مُسْتَقيماً فاتَّبعوهُ). ومن الدراسةِ والبحث والنظر، نجدُ أنَّ الإسلامَ طرازٌ خاصٌّ في الحياة متميِّزٌ عن غيره كلَّ التميُّزِ، وهو يفرضُ على المسلمين عَيشاً ملوَّناً بلَون ثابتٍ معيَّن لا يتحوَّل ولا يتغير، ويحتِّمُ عليهم التقيُّدَ بهذا الطرازِ الخاص تقيداً يجعلهم لا يطمئنُّون فكرياً ونفسيّاً إلا في هذا النوعِ المعين من العيشِ، ولا يشعرونَ بالسعادة إلا فيهِ. والإسلامُ مجموعةُ مفاهيم عن الحياةِ، تكوِّنُ وجهةَ نظرٍ معينة عند حاملِها المعتقد بها. وجاءَ في خطوطٍ عريضة متمثلة في الكتاب والسُّنة، ودلالتُهما على معانٍ عامَّة تعالج جميع مشاكلِ الإنسان عن الحياة، يستنبطُ منها العلماءُ علاجَ كلِّ مشكلةٍ تحدثُ للإنسان. وجعل كُلَّ ذلك مستنداً إلى قاعدةٍ فكرية تندرجُ تحتها كل الأفكارِ عن الحياة، وتتخذ مقياساً يُبنى عليها كلُّ فكر فرعيٍّ. كما جعلَ الأحكامَ من معالجاتٍ وأفكار وآراء؛ منبثقةً عن العقيدةِ، مستنبطةً من الخطوطِ العريضة. والإسْلاَمُ قَدْ حَدَّدَ لِلإِنْسَانِ الأَفْكَارَ وَلَمْ يَحُدَّ عَقْلَهُ بَلْ أَطْلَقَهُ. وَقَيَّدَ سُلُوكَهُ فِي الْحَيَاةِ بأَفْكَارٍ مُعَيَّنَةٍ وَلَمْ يُقَيِّدِ الإِنْسَانَ بَلْ أَطْلَقَهُ، وَجَعَلَ لَهُ الاخْتِيَارَ فِي أَمْرِهِ. فجاءَتْ نظرةُ المسلم للحياةِ الدنيا نظرةَ أَملٍ بَاسِمٍ، وجديَّة واقعية، ونظرة تقديرٍ لها بقدرها، من حيث أنَّها يجبُ أن تُنال، ومن حيث أنَّها ليست غايةً، ولا يصحُّ أن تكون غاية. فيسعى المسلمُ في مناكبها ويأكل من رزقِ الله، ويتمتَّع بزينة الله التي أخرجَ لعباده والطيبات من الرزقِ، ولكنه يدركُ أن الدنيا دار مَمَرٍّ، وأن الآخرة هي دارُ البقاء والخلودِ. وجاءَتْ أحكامُ الإسلامِ تعالِجُ للإنسان أمورَ البيع بطريقة خاصَّة كما تعالج أمورَ الصَّلاة. وتعالج مشاكلَ الزواج بطريقةٍ خاصة كما تعالج أمورَ الزكاة، وتبيِّن كيفيةَ تملُّك المال وكيفيَّة إنفاقه بطريقة خاصَّة، كما تبين مسائلَ الحجِّ، وتفصِّل العقودَ والمعاملات بطريقة خاصة، كما تفصِّل الأدعيةَ والعبادات. وتشرحُ الحدودَ والجنايات وسائر العقوباتِ، كما تشرحُ عذابَ جهنَّم ونعيمَ الجنة، وتدلُّه على شكلِ الحكم وطريقته بطرازٍ خاص كما تدلُّه على الاندفاعِ الذاتي لتطبيق الأحكام طلباً لرضوانِ الله، وترشدهُ إلى علاقة الدولةِ مع سائر الدُّول والشعوب والأمم، كما ترشدهُ لحملِ الدعوة لِلعَالَمِينَ، وتلزمه الاتصافَ بعليا الصِّفات، باعتبارهـا أحكاماً من عندِ الله، لا لأنَّها صفاتٌ جميلة عند الناسِ. وهكذا جاءَ الإسلامُ فَنَظَّمَ علاقات الإنسان كلّها مع نفسه ومع الناسِ، كتنظيمه لعلاقتهِ مع الله، في نَسَقٍ واحد من الفكرِ، ومن المعالجةِ. فصار الإنسانُ مكلَّفاً لأن يسيرَ في هذه الحياةِ الدنيا بدافعٍ معيَّن، وفي طريقٍ معين محدَّد، ونحو غايةٍ معينة محدَّدة. وقد أَلْزَمَ الإسلامُ الناسَ بالتقيُّد في هذه الطريقِ وحدها دون غيرِها، وحذَّرَهم عَذاباً أليماً في الآخرةِ، كما حذَّرهم عقوبةً صارمة في الدُّنيا ستقعُ إحداهما عليهم حتماً إذا حَادُوا عن هذه الطريقِ قيدَ شعرةٍ، لحديث عُبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: كنّا عند النبيِّ (صلى الله عليه وسلم) في مجلسٍ، فقالَ: (تُبَايِعُونِي عَلَى أَنْ لاَ تُشْرِكُواْ باللهِ شَيْئاً وَلاَ تَسْرِقُواْ وَلاَتَزْنُواْ. وَقَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ كُلَّهَا (أَن لاَّ يُشْرِكْنَ باللهِ شَيْئاً) فَمَنْ وَفَّى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئاً فَعُوقِبَ بهِ فَهُوَ كَفَّارَتُهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئاً فَسَتَرَهُ اللهُ إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ وَإِنْ شَاءَ عَذّبَهُ). ولهذا يصبحُ المسلم سائراً في هذه الحياةِ سَيراً معيَّناً، يعيش عيشةً معينة، في طرازٍ خاص بحكمِ اعتناقه عقيدةَ الإسلام، ووجوب طاعته لأوامرِ الله ونواهيه بالتقيد بأحكامِ الإسلام. فهذا النوعُ المعيَّنُ من العيش في فَهْمٍ معين للحياةِ، وسيرٍ معين في طريق معين، أمرٌ مفروض حتماً على كلِّ مسلم وعلى المسلمين جميعاً. وقد جاءَ به الإسلامُ صريحاً واضحاً في الكتاب والسُّنة، في العقيدة الإسلاميَّة والأحكام الشرعية. ومن هنا لم يَكُنِ الإسلامُ دِيْناً روحيّاً فحسب، ولا مفاهيمَ لاهوتيَّة أو كهنوتية، وإنما هو طريقةٌ معينة في العيشِ يجب على كلِّ مسلمٍ وعلى المسلمين جميعاً أن تكون حياتُهم حسبَ هذه الطريقة وحدها، قَالَ اللهُ تَعَالَى: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ). |