عودة لاستراتيجية الفوضى أم سلسلة لهزائم عسكرية وسياسية؟   عدد القراء : 1596   .

 

في مقالات تحليلية سابقة تم نشرها في صحف الزمان والسفير والابداع وآخرها جريدة البصائر..
تعرضنا في تلك المقالات الى حالة (الفوضى والدربكة السياسية) التي تعاني منها مصادر القرار السياسي والعسكري الامريكي في العراق.. ووصفنا هذه الحالة بمصطلح (فلسفة الفوضى) وتوقعنا فيها ان مصير الاحتلال الانكلو- سكسوني في العراق هو التشتت والتشرذم والضياع ومن ثم الخسران والهزيمة.
ان جمهرة الجمهوريين الراديكاليين مثل رامسفيلد وولفويتز وساترفيلد وبوش الابن يعلمون جيداً الآن (استحالة تحقيق نصر سياسي في العراق) طال الزمان ام قصر.. فاجندة امريكا الجيوستراتيجية في العراق تحمل وتحوي من المتناقضات والمتضادات السياسية والمخابراتية ما يفوق قدرة تحمل اكبر العقول البشرية والالكترونية على حد سواء.
فأمريكا تريد (تصنيع) اسلام جديد في العراق ويتم تصديره الى باقي الدول الاسلامية تباعاً ولكنها وضعت شروطاً تعجيزية لهذا الاسلام اولها ان لا يكون موالياً لايران وثانيها ان لا يكون موالياً للسلفية السعودية وثالثها ان لا يكون وطنياً.. فعجزت من تصنيع هذا الاسلام الجديد كما اقترح وليام بروم وديفد ساترفيلد.. فعادت تحاول بناء عراق فدرالي ديمقراطي موحد.. ولم تخبرنا او تخبر دول الجوار وحتى احزاب المعارضة (المستوردة) كيفية قيام هذه الفدرالية أهي فدرالية دينية ام قومية ام جغرافية ام مذهبية ام عرقية.. وحين عجزت الادارة الامريكية عن تصنيع هذه الفدرالية .. قالت تكمن المشكلة في المواطنين العرب المقيمين في العراق.. وان الحل الامثل هو (تجريد العراق من ثوبه القومي العربي) ومقابل هذا التجريد القومي نرى بوش يطالب (الجامعة العربية وامين عامها عمرو موسى بدور ايجابي بناء في العراق).
وفي حالة اخرى اكثر غرابة وفوضوية من سابقاتها (تطلق الصحافة الامريكية المبرمجة خطاباً دعائياً سياسياً من كون ان سنة العراق هم ما يعادل 20% فقط من الشعب العراقي وركب هذه الموجة كوفي عنان عشية الانتخابات العراقية الهزيلة).
في حين يقول دونالد رامسفيلد وزير دفاع بوش امام لجنة الدفاع في الكونغرس الامريكي ما نصه (في حالة خروج قوات التحالف من العراق فان العراق يسقط بأكمله بيد المتمردين).
وهنا تكمن (فلسفة الفوضى) فكيف يتمكن 20% من شعب او امة من القبض على كل مفاصل الدولة بعد سنتين من القتال الشرس والعنيف والملحمي.. وتخضع نسبة الـ80% لهذه العشرين.
يبدو ان سلسلة الهزائم العسكرية والسياسية في العراق قد افقدت دوائر صنع القرار الامريكي صوابها.. هذه الدوائر التي ما برحت تكذب وتزور وتقتل وتعتقل لكي تحقق (نجاحاً دعائياً حتى وان كان رمزياً).
ان امريكا اليوم تعيش حالة (البؤس السياسي) وهي غارقة حتى أذنيها بالمستنقع العراقي الموحل.
ان امريكا الرأسمالية الكبرى اصبحت اليوم لا تخيف اوروبا ولا الصين ولا حتى ايران وكوريا.. بعد ان ايقن كل هؤلاء (هشاشة وفوضوية المؤسسات العسكرية والمخابراتية الامريكية).
هذه الهشاشة التي لم تكن لتفتضح وتكتشف لولا (صلابة وبسالة وشجاعة المقاومة العراقية من اسلاميين وغير اسلاميين) هذه الحقيقة ايقنتها كل الدوائر المخابراتية والاستخبارية لكل دول المنطقة ودول العالم الكبرى..
تقول صحيفة الاوبزرفر البريطانية واسعة الانتشار (لقد اثبتت المقاومة العراقية حسن تنظيمها وقوة بأسها وشراسة قتالها)..
ورغم كوني من الباحثين المعتدلين ومن جديدي العهد بعالم البحوث الاستراتيجية والديموغرافية والسيسيولوجية.. لكنني حين اطلعت على هزائم امريكا الكبرى في فيتنام والكوريتين ايقنت تماماً ان الاحتلال الانكلو- سكسوني في العراق مصيره الضياع والذبول والهزيمة.
فحين نقارن في فيتنام والكوريتين مع ما يحدث اليوم في العراق من جميع الاتجاهات العقائدية والتاريخية والديموغرافية نجد ان حسابا ت القوى كمحصلة نهائية تميل لصالح المقاومة ورجالاتها.. فلا الخريطة الدولية الراهنة متوافقة مع سياسة الاحتلال الامريكي ولا الفكر العقائدي لطرفي النزاع متوازن.. فالمقاومة بتياراتها الرئيسية الثلاثة الاسلامية والقومية والوطنية (كلها متفوقة ايديولوجياً على عقيدة الجندي الامريكي).
كما ان الصورة الوردية المخملية التي رسمها الاعلام الامريكي لقواته العسكرية واخلاقها الفاضلة تحولت هنا في العراق الى (كابوس مرعب ومقزز) وكأنما نشاهد احد افلام مصاصي الدماء.. وهذه الصورة البشعة لا اعتقد ان احداً يستقبلها بعد اليوم لا عربياً ولا غربياً فلو اني عينت مستشاراً لبوش لاقترحت عليه بقوة ان يقدم خطاباً اممياً الى كل ارجاء المعمورة ليعلن فيه (ان ما حدث في العراق كان خطأ تاريخياً واخلاقياً وسياسياً وعلى ضوء ذلك يقرر سحب قواته المتخبطة من بلاد الرافدين) ويترك العراق الاشم الى ابنائه الابطال الشجعان البررة وتذهب النصائح اليهودية واوامر الكنيسة الانجليكانية الى الجحيم.. ويعود العراق مسلماً حراً عربياً يمارس دوره التاريخي والاخلاقي كما عهدناه على مر العصور.