انسكلوبيديا الفوضى وتراجيديا الاغتيال   عدد القراء : 1226   .

أوميد المختار 

( الحلقة الثانية )

بعد ان تطرقنا وبشيء من التفصيل في الحلقة الاولى من هذه السلسلة الى قراءة واقعية صادقة لما يعيشهُ اليوم الشعب العراقي الجريح من مآس وازمات وحمامات دم سببها المنهج الفوضوي لقوات الاحتلال الانكلو - امريكي للعراق وتراكم الاخطاء الكارثية والاخفاقات المتتالية لاجهزة الدولة عموماً السياسية والامنية والاقتصادية والاجتماعية وحتى الثقافية والخدمية .
نعرج اليوم الى بواكير هذه النشأه والولادة القيصرية لمعظم التيارات والايديولوجيات والقوى السياسية التي تقبض اليوم على مقود السفينة العراقية التائهة في بحر الظلمات الثلاث:

1. ظلمات قوى الاحتلال الضائعة في الوحل العراقي حتى اذنيها .
2. ظلمات القوى السياسية القابضة على السلطة وتشرذمها الايديولوجي والحركي والقيادي .
3. ظلمات النخب الفكرية والثقافية والسياسية التي تخندقت مع احزاب وتيارات التمذهب الطائفي والمذهبي واصبحت هي الاخرى ضائعة مع القواعد الوسطية للشعب ومع طموح وتطلعات الطبقات الفقيرة ..وبين ارضاء القيادات السياسية لعراق اليوم .
وما دمنا امام حالٍ كهذا ضبابي الرؤية مختلط الالوان متداخل الخنادق يتوجب علينا معرفة ماذا تريد قوى الاحتلال الاجنبي من العراق كدولة اقليمية مؤثرة ومن الشعب كصاحب اقدم حضارة مُقننة وموثقة في التأريخ ...
يذكر هنري كسينجر في كتابه (الفرصة السانحة) عام 1984 من كون ان منطقة الخليج العربي هي منطقة الاحتياط العالمي المضمون للطاقة ...
ويؤيد هذا الرأي كلٌ من زبينغو بريجنسكن في كتابه (العالم احجار على رقعة الشطرنج).
وغراهام روسبون (السوط الناري) وآخر البحوث الستراتيجيه في هذا المجال لوليام بروم عام 2003 تحت عنون (السعودية مصدر الارهاب) والذي احدث ضجة كبرى بين واشنطن - الرياض لم تنطفئ نارها لغاية اليوم ...
ولكن الذي يهمنا هنا وفي هذا المجال هو حقيقة المنظور الرأسمالي - الامبريالي لدول الخليج وحقيقة التحالفات وقوتها بين واشنطن من جهة وعواصم الخليج من الجهة المقابلة ..
ولكي نختصر الزمان والدراسة معاً نقول عن علاقة واشنطن بدول الخليج الستة باستثاء العراق كانت قد مرت بثلاث فترات رئيسية مهمة الا وهي:
1. المرحلة الاولى / من عام 1939 أي بداية الحرب العالمية الثانية لغاية 1945 وهي نهاية هذه الحرب الكونية بانتصار الحلفاء امريكا - بريطانيا -فرنسا على المحور المانيا - ايطاليا - اليابان ...
وهي مرحلة امتازت ببواكير أُسس البناء بين العواصم الخليجية من جهة وواشنطن من الجهة الاخرى وهي مرحلة ترسي ملامح العلاقة السياسية والاقتصادية والعسكرية بين الجانبين ولم تكن هذه العلاقة قد تطورت الى مرحلة الشريك الاستراتيجي مع واشنطن كما لم تكن دولة الخليج نفسها قد استقرت على مبايعة واشنطن على حساب لندن.
2. المرحلة الثانية / من عام 1945 لغاية 2001 وهو العام الذي شهد احداث الحادي عشر من أيلول التأريخية ودخول التيارات الاسلامية السلفية كشريك استراتيجي وفعال لكل متغيرات وملامح الخارطة السياسية للمنطقة...
ونقول أن الفترة المنحسرة مابين عام 1945 لغاية 2001 كانت فترة شهر العسل الطويلة بين عواصم الخليج وزعاماتها من جهة وقيادات واشنطن المتناوبة من الجهة الاخرى وساعدت هذه العلاقة على ترجيح كفة الامريكان على كفة السوفيت أيام الحرب الباردة من عام 1946 - لغاية 1991 وهو العام الذي شهد انهيار آخر القلاع الشيوعية الاشتراكية في العالم...
وكانت هذه الفترة قد شهدت تطبيعاً للعلاقات بين العواصم الخليجية من جهة وواشنطن من الجهة المقابلة وفي كافة المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية وحتى الثقافية ولم تحدث حادثة واحدة قط عكرت صفو هذه العلاقة طيلة الـ(55) عاماً المذكورة.
3. المرحلة الثالثة / من عام 2001 لغاية يومنا هذا...
وهنا تكمن جوهر القضية العراقية والعربية والايرانية على حدٍ سواء...
فكلنا يتذكر خطاب الرئيس بوش في 13 / 9/ 2001 أي بعد أحداث الحادي عشر بيومين الذي وجههُ الى جميع سكان المعمورة متوعداً فيه بحرب صليبية جديدة ((وتغيير خارطة الشرق الاوسط الكبير واعتبار كل الذين لا يؤيدون امريكا في كل خططها واستراتيجيتها هُم اعداء)) فوضعت قوائم ودراسات لكل بلدان المعمورة وقسمت الدول الى:
1. الدول الصديقة والحليفة وهي الدول التي لا تعصي لامريكا امراً .
2. والدول القلقة وهي الدول التي لا يتمتع قادتها بتأييد شعبي واسع .
3. والدول العدوه - او الارهابية مثل العراق - سوريا - ايران -كوريا ش .
4. والدول الداعمة للارهاب مثل السعودية - باكستان - افغانستان .
فحدثت الحرب الهمجية على افغانستان ثم تلاها العراق في اذار 2003 وكل الدلائل تشير على عدم علاقة العراق الرسمي والشعبي بتنظيم القاعدة ولا يمتلك اسلحة دمار شامل ولا يهدد جيرانه ...
وهي الذرائع التي استخدمتها واشنطن - لندن لشن الحرب الاستعمارية على العراق لتختفي هذه الذرائع فيما بعد وتصنع امريكا ذرائع واسباباً اخرى ليس لها علاقة من قريب او بعيد وبالاسباب الاولى وهذه الذرائع الجديدة هي:
1. نشر الديمقراطيات في العالم العربي.
2. تخليص الاكثرية من حكم الاقلية.
3. اعادة رسم خارطة الشرق الاوسط الكبير.
وسقطت بغداد في 2003/4/9 وكان سقوطاً تترياً مغولياً همجياً وضاعت الدولة  العراقية بكافة مفاصلها السياسية والثقافية والعسكرية والخدمية والامنية والاجتماعية .
وقصفت المدن وتمزقت الاجساد البريئة وانتهكت الحرُمات وأحرقت المساجد ونهبت المتاحف وقتلت الكفاءات العلمية وصودرت اراضي الدولة الى مجموعة من الحاقدين والمعتوهين وضاعت كل الخرائط الجغرافية والسياسية التي توضح حدود العراق الاقليمية ...
لتعلن رايس في مؤتمر الامن والتعاون في اوربا بتاريخ 2005/8/16 م انه ما يحدث (( في العراق هي حالة من وتاهت حالات الفوضى البناءة وكما قال جيفري وايت الخراب الجميل)).
وتاهت العقول والالباب حول معنى (الخراب الجميل) ولماذا هذا التدمير ولمصلحة من...
ثم كيف تحولت ايران العدو الاستراتيجي لامريكا الى حليف قوي ومؤثر في مساعدة واشنطن - لندن في رسم خارطة العراق الجديد او العراق الممزق...
ومن الذي جعل السعودية الحليف الامريكي القديم - الجديد تتحول بمنظور وليام بروم وديفيد ساترفيلد بالدولة الاكثر ارهاباً في العالم...
ومن هنا ومن هذين السؤالين نجد مقولة الواشنطن بوست بتأريخ 2006/3/22 وبقلم كبار الباحثين الامريكان صاموئيل هنتغتون صاحب نظرية (( صراع الحضارات )) ذائعة الصيت قد شخص موقع الخلل والمصيبة  فيما يجري منذ ثلاث سنوات دمويه على ارض الرافدين قائلاً (( هي الحرب التي خاضتها امريكا وقوى التحرير العراقي بعضهم ضد بعض لنفاجأ جميعاً ان المنتصر الوحيد في هذهِ المعركة الشرسة هي ايران)).
وعلى ضوء ذلك نعتبر انفسنا كباحثين ومؤرخين أكثر دراية وخبرة من هنتغتون وغيره لاننا كنا قد شخصنا ذلك بدقة وعلمية منذ اواخر عام 2003 لغاية يومنا هذا وكتبنا مئات البحوث والدراسات حول هذا التخلخل الاستراتيجي في المنطقة وتغير مراكز القرار والتأثير في الشرق الاوسط من القاهرة - الرياض باتجاه طهران-تل أبيب لتبقى انقرة لاعب احتياط...
وسوف نفصل كل ذلك بموضوعية وتبيان وحسابات بالغة الدقة في الحلقات القادمة أن شاء الله...
ولكن مانود طرحهُ وتفصيله وتبيانه هنا هي حالة ((البيروقراطية المنتخبة)) التي تحولت فيما بعد الى جهاز قمعي مخابراتي دكتاتوري دموي فاق صدام وغيره من كل الانظمة التوتالرية التي شهدها العالم في 100 عام الاخيرة...
فهذه البيروقراطيه الحاكمة استمدت وجودها وقوتها من ديمقراطية الانتخابات والمحتل ثم تحولت الى دكتاتورية فئوية(سلطوية - وتنظيميه) لتجسد قيماً فكرية واخلاقية لم يتعارف عليها الشعب العراقي والعربي طيلة تأريخه الطويل...
حتى تعملقت واصبحت كابوساً مخيفاً  روع العراقيين وغير العراقيين بل وصل به الحد الى تخويف حتى الايادي والعقول التي انشأته وهي قوى الاحتلال الاجنبي..
وأصبحت قوات الاحتلال أليوم عاجزة كلياً عن احتواء هذا الوحش الجديد الذي صنعتهُ بأيديها...
فأيقنت اخيراً ان الحل الامثل للتعامل مع هذا الوحش البيروقراطي الجديد ((قوة السلطة القابضة)) هو بالخضوع ولو جزئياً لمطاليبه وفعالياته وبالتالي التحاور مع مصدر هذا العملاق الجديد لعل هذا المصدر (( ايران )) لها القدرة على التلاعب او تغيير مسارات هذا الحاكم الجديد...
ويبدو ان طهران - واشنطن قد اتفقتا على تقسيم العراق قيادياً وسياسيا وجعل العراق بأكمله موثوقاً بسلسلتين حديدتين الاولى في طهران واخرى في واشنطن او تل أبيب...
وللحديث بقية