العراق فيتنام جديدة!   عدد القراء : 1112   .

د. محمد السعيد ادريس

منذ أشهر قليلة نشر الدكتور جون موللر استاذ العلوم السياسية في جامعة أوهايو الأمريكية، وبالتحديد في عدد تشرين الثاني-كانون الأول 2005 من مجلة (فورين أفيرز) مقالاً مهماً تحت عنوان (عقدة العراق) حاول أن يؤكد فيه ان المجتمع الأمريكي في طريقه لمواجهة عقدة فيتنام جديدة سوف تكون في تداعياتها على الدولة والمجتمع أشد عنفاً من عقدة فيتنام السابقة هي(عقدة العراق). المقالة كانت تهدف الى استفزاز الرئيس الأمريكي جورج بوش لاقناعه بضرورة اتخاذ قرارات جريئة من أبرزها سحب قوات الاحتلال الأمريكية من العراق ومراجعة سياسات التدخل الأمريكية.
لم تكن هذه المقالة تهدف الى التشفي من إدارة بوش بقدر ما كانت تهدف الى النصح، ورغم ذلك رد عليه، وبسرعة فريدريك كاغان أحد أبرز جماعة المحافظين الجدد عضو (معهد أمريكان انتربرايز) الذي يعتبر من أهم معاقل هذه الجماعة بمقال نشره في مؤسسة هوفر لدراسات الحرب والسلام على موقع تابع لجامعة ستانفورد الأمريكية تحت عنوان (العراق ليس فيتنام) حاول فيه ان يؤكد أن التجربة الأمريكية للحرب في العراق لم تصل بعد، في خطورتها، الى المستوى الذي كانت عليه التجربة الفيتنامية!.
الأمر الآن يبدو مختلفاً عنه وقت نشر هاتين الدراستين رغم أن الأشهر التي مضت على النشر لم تصل بعد الى نصف العام، لكنها كانت في أحداثها توازي أعواماً بالنسبة للخسائر الأمريكية الهائلة وحالة الانقسام الراهنة التي لم تعد تقتصر فقط على علاقات التحالف الأمريكي - البريطاني، وأنماط العلاقات بين الدول الخمس الكبرى كما تكشفها الأزمة الأمريكية - الإيرانية حول البرنامج النووي الإيراني بل إنها -أي الانقسامات- تمتد وبقوة الى داخل المجتمع الأمريكي بل وأركان النظام وبالتحديد بين السياسيين المعبرين عن تيار المحافظين الجدد وبين المحافظين التقليديين الرافضين لاستمرار بقاء قوات الاحتلال الأمريكية في العراق من ناحية، وبين هؤلاء السياسيين من تيار المحافظين الجدد وكبار العسكريين الأمريكيين الرافضين لاستمرار وجود قوات الاحتلال الأمريكية في العراق والرافضين لأي تورط عسكري أمريكي في حرب ضد إيران والمطالبين باستقالة وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد.
اللافت للانتباه في هذه الانقسامات أن تيار الرفض للحرب الأمريكية في العراق أخذ يوجه الانتقادات الى (إسرائيل) وجماعاتها المؤثرة في دوائر صنع القرار الأمريكي باعتبارها، أي (إسرائيل)، المسؤولة عن توريط الإدارة الأمريكية في هذه الحرب. مثل هذا الربط يكتسب أهمية كبيرة إذا ما أصبح أحد أركان الانقسام في السياسة الأمريكية أي إذا ما تحول الى انقسام حول (إسرائيل) عندها ستكون (إسرائيل) طرفاً مباشراً في التداعيات التي سوف تلحق بالدولة والمجتمع الأمريكيين جراء عقدة العراق.
أصوات النقد لم تعد مقتصرة على أروقة الكونغرس أو حتى أجهزة الإعلام بل انها امتدت الى الشارع الأمريكي ذاته في وقت وصلت فيه شعبية الرئيس بوش الى أدنى مستوياتها مما دفعه الى إجراء تغييرات محدودة في فريق العمل الذي يعتمد عليه، لكن هذا التغيير المحدود لم يشمل وزير الدفاع دونالد رامسفيلد، ولم يشمل أي مراجعة حقيقية للسياسة الأمريكية في العراق وبالذات في ما يتعلق بمسألة سحب قوات الاحتلال الأمريكية، بما يعني أن بوش لم يستوعب الدرس بعد، وأن قدره يدفعه الى مصير أسوأ من مصير عقدة فيتنام، وها هي مؤشرات التحول الحقيقي تحدث في المجتمع الأمريكي بانقلاب نجم أغاني الريف الأمريكي (نيل يونغ) على الرئيس الأمريكي وكان من أقوى مسانديه في أعقاب أحداث 11 / ايلول 2001. موقف نيل يونغ لم يقتصر على النقد لسياسة بوش بل انه أعد شريطاً غنائياً مدوياً سينشر قريباً في الأسواق يحتوي على أغنيات تندد بالحرب الأمريكية في العراق وتطالب إحداها بمحاكمة بوش بتهمة الكذب تحت القسم.. الشريط الجديد يحمل عنوان (العيش مع الحرب).
ما لم يصدقه بوش يحدث وبوتيرة متسارعة لا يتوقعها وهذه هي المسألة الأهم، وهي ان بوش يتجه وبسرعة وبإرادته نحو مصيره المحتوم في العراق.. الهزيمة المرة.