| ظاهرة الانتحار في صفوف جيش الاحتلال الأمريكي.. الأسباب والدوافع!   عدد القراء : 1355   . صباح الحديثي
لم تكن ظاهرة الانتحار تلاحظ باهتمام كبير في الجيش الامريكي حتى وقت قريب لاشتغالها بحروب كثيرة منذ الحرب العالمية الثانية، خارج اراضيها لخدمة مصالحها الخارجية بشكل اساسي، ولقلة معدلات الانتحار بين القوات الامريكية في اثناء القتال، ولكن الدراسات التي تمت بعد حرب فيتنام اوضحت ان معدلات الانتحار في القوات التي شاركت في القتال في فيتنام كانت مرتفعة جداً بعد العودة الى امريكا، فقد قدرت بعض الدراسات حالات الانتحار بين الجنود السابقين بحوالي (20) الف حالة انتحار، وبهذا يتضح بان الخسائر البشرية الناتجة عن الانتحار اكثر من ضعف عدد القتلى اثناء القتال، وبعد جمع الخسائر كلها، تكون قريبة من معدلات الخسائر البشرية للقوات الامريكية في اثناء القتال في الحرب العالمية الثانية. وتكثر ظاهرة معدلات الانتحار في القوات الامريكية المحتلة في العراق بشكل سريع، ففي عام 2003م انتحر (25) جندياً بعد انتهاء العمليات العسكرية بشكل رسمي. وتشير الارقام الى ان معدل الانتحار في القوات الامريكية المحتلة في العراق وصل الى (17.3) لكل مائة الف في السنة، وهو اعلى من المعدل الاجمالي للجيش الامريكي، والذي يبلغ (11.9) لكل مائة الف بين عامي (2002و1995م) والقوات الامريكية بكل صنوفها والذي يتراوح بين (9.8) لكل مائة الف سنوياً. وهي ايضاً اعلى من معدل الانتحار في كل صنوف الجيش الامريكي في حرب فيتنام، والتي كان معدل الانتحار فيها لا يتعدى (6 و 15) لكل مائة الف، مع ان معدل الانتحار في القوات الامريكية في حرب الخليج الثانية عام 1991م هو (3.6) مائة الف. ورجع سبب ارتفاع معدلات الانتحار هذه الى الهزيمة النفسية والفكرية والعقائدية بين الجنود وتأثير الضربات الموجعة للمقاومة العراقية التي الهبت الارض تحت اقدامهم وجعلتها جحيماً، ووقوعهم في مستنقع الحرب القذرة، واهدافها الكاذبة ومخططاتها الخبيثة حتى اصبحوا مجرمين قتلة على افعال نكراء شنيعة، ينفذون اوامر قيادتهم الذين يكشرون انيابهم عن حقد دفين للاسلام والمسلمين مع الشعور بالاحباط والالام، والاحساس بالذنب، وفقدان الامل. وقد صرح الجنود الامريكيون: نحن محبطون وعناصر المقاومة العراقية ارهقونا، فهم يتبخرون كالريح. ويقول احدهم: انهم يواجهون عدواً لا يعرفونه، عدواً ليس له اي وجه، ولا يتبع خطوط القتال كما انه يوزع انصبة القتل على قوات الاحتلال بدون تمييز. وفي ظل التوتر الدائم والقتل المستمر والاحساس العميق بالتورط في مستنقع الحرب القذرة، اقام عشرات من الجنود الامريكيين في العراق مواقع شخصية على شبكة الانترنت يتناولون فيها بشكل صريح الاوضاع والهجمات التي يتعرضون لها. واوضحت صحيفة (ديلي تليغراف) البريطانية، ان عدد المواقع الاليكتورنية للجنود الامريكيين في تزايد مستمر وبلغت وفق اخر احصاء (200) موقع يعمل الجنود على انزال الاخبار فيها من العراق مباشرة. فأي احباط يشعر به الجندي الامريكي وهو يعيش في ارض خطرة افقدته صوابه، تطبيقاً لشعارات قادته السياسيين اظهر الواقع كذبها وزيفها، احباط يحس به الجندي الامريكي وهو يرى اي جريمة ارتكبت بيديه، وهو يرى مدى الكره الذي يحيط به من كل جانب اوليس هناك من مخرج سوى اعتراف الادارة الامريكية بانها ارتكبت افدح الاخطاء في التاريخ بغزو العراق وتعريضه للدمار والخراب والفوضى. فكانت الظروف القاسية للجندي الامريكي المحتل في العراق والاحساس الشديد بالخطر الدائم وبصحوة الضمير، ادى الى تفاقم حالات الاكتئاب والقلق والاضطراب واليأس من الحياة والمستقبل المجهول والمظلم الذي افقده كل شيء. فقام فريق من الاطباء النفسيين بدراسة ظاهرة الانتحار وتقييم الموقف وتحديد اسبابه وتقييم مستوى خدمات الطب النفسي المقدمة للقوات المحتلة لغرض السيطرة على هذه الظاهرة الخطيرة. ولذا تم مقابلة (700) جندي في العراق ودراسة حالاتهم، وقام الجيش باخلاء (478) جندياً خلال خمسة اشهر فقط، لاسباب طبية نفسية، لان الجيش الامريكي في العراق لم يمتلك خدمات طبية نفسية لعلاج كل هذه الحالات، مع وجود حالات علاج على ما يزيد عن الفين جندي في اقل من عام من انهاء العمليات العسكرية الكبيرة، وتم اعادة (1919) جندياً منهم الى الخدمة، واعادة الباقي الى امريكا لان اكثرهم يعانون امراضاً نفسية مزمنة. واقرت الدراسة التي قام بها الاطباء في الجيش الامريكي في العراق ما يتراوح بين (15 و20%) من عدد القوات الامريكية المحتلة في العراق يعانون من امراض نفسية قد تدفعهم الى الانتحار، بسبب الحرب المستمرة في العراق ومصيرهم المجهول. وكان الجنود الامريكان في العراق يخفون اعراض امراضهم (النفسية بنسة 50%) خوفاً من الاضرار بمستقبلهم في الجيش مع ان (65%) من الجنود لا يريدون ان يظهروا بمظهر الضعيف، و(63%) منهم يريد ان يحافظ على معاملة قادته الحسنة لهم ولا تختلف اذا ما طلبوا العرض على اطباء النفس لتقييم حالتهم. وهذه النسبة تم الوصول اليها بعد دراسة (6100) حالة من الجنود الامريكان ومشاة البحرية في العراق وافغانستان. وكذلك يعاني جنود الاحتلال البريطاني من ظاهرة الانتحار وانتشار الامراض النفسية والعقلية بين جنودها في العراق. ذكرت صحيفة (الغارديان) بان ثلثي القتلى من الجنود البريطانيين الغزاة في العراق سقطوا في عمليات قتالية، بينما الباقي قتلوا نتيجة حوادث وامراض، واشارت الصحيفة الى ان الانتحار قد يكون احد اسباب الوفاة ايضاً. واضافت صحيفة (الاندبندنت) بان وزارة الدفاع البريطانية اعترفت بان (4.017) جندياً تم اجلاؤهم من العراق لاسباب طبية مع ان الحكومة البريطانية تواجه اتهامات بالتكتم على الخسائر البشرية الحقيقية جراء مشاركتها في غزو العراق، كحال الادارة الامريكية التي لا تكشف عن خسائرها في العراق سوى عن (30%) وتتكتم عن الباقي، وهذا ما اثبته احصائية موثقة نشرت عن مركز صحافة السلم والحرب في بغداد. وبعد هذه الدراسة قررت الادارة الامريكية اجراء مسح طبي نفسي للقوات قبل وبعد ارسالها الى العراق، للكشف عن الامراض النفسية وعلاجها بشكل سريع قبل ان تؤدي الى الانتحار مع نشر الوعي باهمية اللجوء الى العلاج النفسي. فقد واجهت هذه الدراسة اصعب المواقف النفسية التي لا يمكن علاجها للجنود في العراق، هي عدم قدرتهم على نسيان مشاهد القتلى والموت الذي يهددهم في كل لحظة، والاحساس بفقدان الامل وعدم القدرة على التعامل مع الاخرين وميولهم الى الوحدة والانعزالية والعدوانية، وفقدان المعايير الثقافية والدينية والاخلاقية والوطنية لديهم، والتي تتنافى مع مفهوم القتال والجهاد في سبيل الوطن والمبادئ والقيم والبطولة والشجاعة والاستشهاد. وهذا كله جعل الجندي الامريكي في العراق ضعيفاً ومريضاً غير قادر على تحمل المسؤولية، وهو في دوامة الادمان في تناول الكحوليات او تعاطي المخدرات او الانتحار او ملاقاة شبح الموت او الاعاقة او التشويه في كل لحظة في ارض العراق المحتل، ((ولا يحيق المكر السيئ إلا باهله)). |