| قصة قصيرة /بغداد   عدد القراء : 977   . د. يوسف القرضاوي بغداد بنت عربية تضيء في الليل الدامس تتلألأ فيه مثل الجوهرة الثمينة، هي في عين ابنائها ومحبيها منقطعة النظير في الجمال والاصالة، عمارية العرب في صولاتهم وملاحمهم، تنهض الطريح وتداوي الجريح، لها اخوات اصيلات عربيات مثلها تحبهم وتذود عنهم، ولا تبالي بما سيحيق بها من اعدائها، ولا تتماهل ولا تتساهل مع من يقف بالضد من الحق، غار منها الاشرار وبيتوا لها كيد الفجار، وكان لها اخت تحبها حباً جماً اسمها فلسطين، كانت هي الاخرى جميلة يحبها الناس، ولكن لها عدوة تطمع فيها اسمها (الصهيونية)، عجوز شمطاء، تنضح بالشر والغيرة، كئيبة بالهزيمة، تستلذ بشرب الدم الذي يقطر من فمها قطراً، تعشق صعداء الموت استنشاقاً لتملأ منه صدرها الهادل بالغيض، تريد اغتصاب فلسطين، وتدأب لقلب معالمها لتجعل منها (اسرائيل)، لكن بغداد لم ترض بذلك، لان فلسطين اختها الحبيبة، ولدت معها من رحم العروبة والدين، فظلت تقاوم معها، ومعهن اخواتها العربيات، وهناك بعيداً عن بغداد، من بعد مئات الآلاف من الامتار، خلف المحيطات والبحار، هناك بيت ابيض اللون من الخارج، يقطنه رجل اسود القلب من الداخل، اسمه (بوش)، هو الاخر يكره بغداد ويعشق الصهيونية، يقدم لها قرابين من الجثث والدماء الزكية، ويرعاها مثلما رعاها والده من قبله (آل بوش) معروفون فهم يتسلسلون بطناً بعد بطن في الاجرام، فماذا فعل الاب والابن ببغداد؟، الاول طعنها بحرابه المسمومة ادمى وجهها المشرق بابتسامتها الذهبية، اراد ان يطليه بكَير حقده الغابر بالشؤوم، لكنه اخفق، لان بغداد انجبت ابناء بررة تترنم افعالهم بالرجولة والبطولة، ضمدوا جراح امهم بغداد وداووا ما فعل بها ليعودوا باشراقتها من جديد، ضاق بوش الاب ذعراً بفشله الذريع واراد الانتقام، ففرض على بغداد وابنائها حصاراً جئوداً ينم على تجويعهم واهلاكهم على ذلك، وهلم جرا على هذا المنوال ثلاث عشرة سنة وبغداد وابناؤها يكابدون الجوع والمرض ورغم ذلك كانوا سعداء لان شيئاً ما لم يحدث بعد، رحل بوش الاب من بيته الاسود وجاء غيره ورحل ايضاً وربيبتهم الصهيونية لم تحقق من خلالهم فألها الذي تصبو اليه، وعلى حين غرة جاء بوش الابن سليل الشر والاجرام ليتم ما نقص، كان يبيت ما يبدو كأنها الضربة القاضية لبغداد القوية المجاهدة، راح يبحث عن الحجج ليضفي الشرعية على عدوانه الدنيء، فلم يجدوا سوى الكذب نصيراً له، فزعم على بغداد انها مليكة لما يدمر العالم فراح ينزعه بدماره، زعم على بغداد انها عقيلة للظلم فراح (يحررها) بطغيانه، خطط ودبر وعزف على طبول الحرب حتى كانت وكونت ناراً ودماراً، فحولت الديار العامرة الى مساحات مقفرة، حزن واسى، صراخ وعويل، انفجار ودمار ورعب وموت... ولا شيء غير الموت، قتل ابناء بغداد الغيارى واعتقل آخرين في سجونه وسجون اذنابه، وطفح من وسط هذا المستنقع النتن ثلة من الخنث ادعوا الانتماء الى بغداد ولكن الحقيقة انهم ينتمون الى كل شيء عدو لبغداد، (سقطت) بغداد في وسط هذه الفوضى العارمة، حزن العالم على بغداد وتألم لها، نظر العالم شراً الى بوش الصغير ومن سانده ورفع عقيرته عليهم بالذم الى الابد، اسرت بغداد مثل اختها فلسطين، ولكنها ستحرر نفسها وثم اختها معها، اما اعداء بغداد فسيسقطون سريعاً لان ساقهم كسيحة لا تجيد الوقوف طويلاً، وبغداد البطلة ستنهض كما نهضت من قبل، (وليس العيب في ان تسقط ولكن العيب ان لا تستطيع النهوض). |