البصائر/ قسم التحقيقات..
آخر هذه التأكيدات جاء من داخل الكيان الصهيوني نفسه، فقد أكد تقرير نشره مركز (غافي) للأبحاث التابع لجامعة تل أبيب أن (إسرائيل) كانت شريكاً كاملا مع نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير في اختراع صورة استخباراتية كاذبة لأسلحة الدمار الشامل المزعومة في العراق. وقال إن حملة تشويه المعلومات قامت بها الحكومات الثلاث بتنسيق تام لتبرير غزو العراق.
وكانت الدعوى الثانية هي نشر الديمقراطية وبناء مجتمع عراقي جديد. وكانت النتائج التي تحققت بعد الغزو هي هدم المجتمع العراقي ببنيته الأساسية ومؤسساته، بل وقتل علمائه، ونهب ثرواته، وتدمير تراثه.
والانتخابات التي أجروها كانت انتخابات مزورة تهدف إلى خدمة الأهداف الأمريكية المسبقة، والدليل على ذلك هو أن الدستور الأمريكي تم فرضه على العراق، ثم تزوير الاستفتاء عليه بعد أن رفضته عدة محافظات.
وكانت دعاوى الأمريكان في حل الجيش العراقي لأنه يتسلح بأسلحة الدمار الشامل ويهدد السلام في المنطقة، وكان الحل كارثة، بعد أن تحول الجنود والضباط إلى عاطلين. وعندما تم حل الجيش لم يعد بمقدور أحد السيطرة على الوضع الداخلي، فانفلت العيار!.
وإذا كان الأمريكان يدعون أنهم جاءوا لتحرير الشعب العراقي من قبضة النظام السابق، فإنهم أسسوا سجون التعذيب وفرق الموت، التي تقودها أجهزة الدولة الرسمية، وعلى رأسها وزارة الداخلية.
مناهضة الاحتلال
الذي لم يتخيله بوش وإدارته هو ظهور مقاومة انبثقت من الداخل العراقي على قدر عال من الكفاءة وبهذا المستوى الذي فاجأ الجميع وعلى رأسهم قيادات البنتاغون.
وهذه الحرب لا تشابهها أي من حروب المقاومة الشعبية الأخرى في التاريخ، في سرعة اندلاعها وأساليب عملياتها الخاصة، الأمر الذي أحدث إرباكا واضحا في صفوف قادة ومخططي العدو المحتل، لعدم معرفة حجم وخواص وطبيعة التشكيلات القيادية الميدانية للمقاومة. ففي بداية انطلاقتها وصفها رامسفيلد، بأنها تتكون من حفنة من اليائسين و فلول النظام السابق ثم تراجع وقال بأنهم عدة آلاف من المقاتلين العرب والأجانب وبقايا النظام السابق، إلى أن مرغت المقاومة أنف أقوى جيش في العالم في التراب، عندها اعترفوا بأنهم أكثر عددا من قوات الاحتلال ومرتزقتها وأنهم بحدود 200 ألف مقاتل وأن المقاتلين العرب لا يشكلون سوى 2% من المقاتلين العراقيين.
القوات الأمنية الجديدة
ويرى رامسفيلد ومساعدوه أن القوات العراقية التي يجرى إعدادها لتولي المهام الأمنية لن تكون قادرة على السيطرة على مقاليد الأمور والحفاظ على استقرار البلاد، بسبب عدم كفاية أعدادها وضعف قدراتها القتالية، فضلاً عن أن هذه القوات لا تعبر عن مختلف فئات الشعب العراقي، كما أنها منخرطة في الصراعات الدائرة بين الطوائف العراقية، ومرتبطة بتحالفات مع بعضها ضد البعض الآخر، وهو ما يفقدها المصداقية اللازمة. أما الحديث عن التطور في العملية الديمقراطية وتحسن الأحوال الاقتصادية للشعب العراقي، فإن الأمر يحتاج إلى سنوات وربما إلى عقود حتى يتحقق إنجاز ملموس، وهو ما يعني أن مبررات تأجيل الانسحاب الأمريكي أو تجميده إلى أجل غير مسمى قائمة.
ويرى مراقبون ان بوش وإدارته المتطرفة، لن ينسحبوا قريباً من العراق، فجيش الاحتلال الأمريكي يقوم الآن ببناء أكثر من 14 قاعدة رئيسية لقواته تبدأ من الموصل وتنتهي بالبصرة، ويقوم ببنائها آلاف العمال الآسيويون الذين يعملون على الأقل 12 ساعة في اليوم.
ويعتبر صناع السياسة الأمريكيون، أن الإصرار على عدم الانسحاب من العراق هو الطريق الوحيد لضمان مستوى عال من المصداقية للولايات المتحدة تجاه خصومها في المنطقة. ويجادلون بأن الانسحاب الأمريكي من العراق كما فعلت في فيتنام، أو السماح بهزيمة حلفائها كما حصل مع الشاه في إيران، سيرسل إشارات خاطئة إلى المتمردين على حد زعم رامس فيلد.
الرؤية الأمريكية
الاحتلال الأمريكي للعراق هو جزء من رؤية استراتيجية متكاملة لإعادة ترتيب الأوضاع في الشرق الأوسط من منظور المصلحة القومية الأمريكية، وإذا كانت الولايات المتحدة قد تمكنت من إنجاز عدد من أهدافها في العراق، وفي مقدمتها إسقاط النظام السابق، وتدمير البنية العسكرية والجيش العراقي، بدعوى أنه كان يشكل تهديداً لأمن حليفتها (إسرائيل)، فهي الآن تقوم باستكمال باقي مهمتها، وهي بناء القواعد العسكرية اللازمة لبقائها طويل الأمد في المنطقة، من أجل تنفيذ مخططها الرامي إلى إحكام السيطرة على النفط العراقي، والقضاء على النظم التي تعتقد أنها تشكل تهديداً لمصالحها ولأمن (إسرائيل).
ماذا كسبت أمريكا من الغزو؟
لم يسبق أن شهدنا إدارة أمريكية تفسر، عن عمد وتدليس وقسوة، المأساة على أنها نجاح والهزيمة على أنها نصر والموت على أنه حياة، بمساعدة صحافة أمريكية متواطئة، كما رأيناها في العراق.
أن صورة الولايات المتحدة قد تضررت وازداد العداء لها في أوساط الشعوب العربية والإسلامية.
على مستوى الداخل الأمريكي كانت النتيجة بعد مرور (3) سنوات على قرار الغزو المشؤوم، عشرات الآلاف من القتلى والجرحى في صفوف قوات الاحتلال الأمريكية، واستنزاف متواصل للخزينة الأمريكية ولدافع الضرائب الأمريكي الذي تأثرت حياته اليومية سلباً بفعل سياسات الرئيس بوش وإدارته، بسبب تردي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية.
كما أن سمعة أمريكا ومكانتها الدولية تدنت تماماً بفعل قرار الغزو وما أعقبه من تداعيات وممارسات، بعد الكشف عن بعض جوانب ممارسات إدارة بوش في مجال الحريات واحترام حقوق الإنسان، في أبي غريب وغوانتنامو.