| الإسْـــــلاَمُ.. التعْرِيفُ وَالْمَفْهُومُ   عدد القراء : 1466   . قَالَ اللهُ تَعَالَى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلامُ) وقَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ). عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ قَالَ: وَعَظَنَا رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) مَوْعِظَةً ذرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ؛ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ هَذِهِ لَمَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ! فَمَاذا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟ قَالَ: (قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى المحجة الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لاَ يَزِيْغُ عَنْهَا إِلاَّ هَالِكٌ). والإسلام في اللغة على ثلاثة معان؛ الأول: الاستسلامُ؛ وهو الدخول في السَّلم بأن يسلَمَ كل واحد أن يناله من ألم صاحبه، فهو الدخول في الأمان. والثاني: الانقياد؛ وهو توجيه الجوارح بالفعل، واللسان بالنطق إلى ما يوصلهما إلى التعري عن الآفات الظاهرة والباطنة، والاستقامة على طريق الأمان. والثالث: الخضوعُ؛ وهو التسليم المطلق بقبول الأمر من غير منازعة، كما في قوله تعالى: (وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا). وأما الإسلام في الشرع؛ فهو جامع لهذه المعاني، ويحصل بدخول المرء في أمان الله عَزَّ وَجَلَّ حين استجابته لداعية الحق، ويشهد أنْ لاَ إله إلا الله وأنَّ مُحَمَّداً عبده ورسوله، وأن يتقصد السلامةَ من كل آفة تحرمه القبول عند الله تعالى، كما ذكِرَ عن إبراهيم (عليه السلام) حين استجاب لدعوة الحق قَالَ اللهُ تَعَالَى: (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِين). فيحصل الإسلام للمرء حين الاعتراف بالشهادتين مع القناعة بالعقل، والاطمئنان بالنفس، والوفاء بالفعل استجابة لأمر الله عَزَّ وَجَلَّ من غير تردد أو ريب أو منازعة. وقبالة الإسلام لرب العالمين الحرب على دين الله عَزَّ وَجَلَّ ظاهراً بالكفر أو باطناً بالنفاق، قال الله عَزَّ وَجَلَّ: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلا الْحُسْنَى وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ). وعلى هذا، فالإسلام لرب العالمين بالتعريف الشرعي، هو قبول العهدِ الذي أوجبه الله بالرسالة التي أرسل بها نبيَّهُ مُحَمَّداً (صلى الله عليه وسلم) قَبُولاً مطلقاً لا خِيَرَةَ له فيه، واعتقاداً به لا ينازع العقلُ أحكامَه، ولا يتردد الريبُ منه في القلبِ، فيظهرُ في القولِ والعمل حتماً. وفضَّل اللهُ الإسلامَ على كلِّ دينٍ، فقال الله تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ)، وجعلَ اللهُ الدخولَ في دينه متوقِّفاً على الإقرارِ بالشهادتين إقراراً صَادراً عن عقلٍ وبيِّنة؛ أي بعد تفكُّر بالحجَّة والبرهان، إذ الإقرارُ معناه التصديق والإعلان بالقول والعمل. عن حكيم بن معاوية عن أبيه؛ أنه قال: يَا رَسُولَ اللهِ مَا الَّذِي بَعَثَكَ الله بِهِ؟ قَالَ:[الإسْلاَمُ ] قَالَ: وَمَا الإسْلاَمُ؟ قَالَ: (أَنْ تُسْلِمَ وَجْهَكَ للهِ، وَأَنْ تُوَجِّهَ وَجْهَكَ للهِ). أما مفهومُ الإسلام بوصفه شريعةً ومنهاجاً وفرائضَ وحُدوداً ينتظمُ بها العقلُ والقلب واللسان والجوارح، فهو الدينُ الذي أنزلَهُ الله وحياً على سيِّدنا الرسول مُحَمَّدٍ (صلى الله عليه وسلم) متمثِّلاً بالكتاب والسُّنة ليبلغه الناسَ ويهديهم به سُبُلَ السَّلام، وينظِّم علاقةَ الإنسان بربِّه، وعلاقته بنفسهِ، وعلاقته بالناس، بقصد العبادةِ لله عَزَّ وَجَلَّ. أما نظامُ الإسلام لعلاقة الإنسان بربِّه، فهو النسَقُ المخصوص لعبادةِ الفرد لله عَزَّ وَجَلَّ عن طريقِ فرديَّته، وهي بعد الشهادتين: إقامُ الصلاة وإيتاءُ الزَّكاة. عن ابن عباس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا يَقُولُ: لَمَّا بَعَثَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلم) مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إِلَى نَحْوِ أَهْلِ الْيَمَنِ قَالَ لَهُ: (إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللهَ تَعَالَى، فَإِذَا عَرَفُوا ذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ، فَإِذَا صَلَّوْا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً فِي أَمْوَالِهِمْ، تُؤْخَذ ُ مِنْ غَنِيِّهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فَقِيرِهِمْ، فَإِذا أَقَرُّوا بِذَلِكَ فَخُذْ مِنْهُمْ وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ). ونظَّم الإسلامُ علاقة الإنسان بالناس على ضَربين: مع أهلِ الإسلام فهُم أُمَّةٌ دون الناس، يسعى بذمَّتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم. ومع غير أهله؛ فهُم ناسٌ يعيشون معهم في عهدٍ وذمة. عن عبدالله بن عمرو رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا؛ قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَيُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، يَرُدُّ مُشِدُّهُمْ عَلَى مُضْعِفِهِمْ، وَمُتَسَرِّيهِمْ عَلَى قَاعِدِهِمْ، لاَ يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ وَلاَ ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ). وطلب الإسلامُ من المستجيب للدعوة التحوُّلَ من قوانين دار الكفر إلى أحكام دار الإسلام كما في حديث بريدة (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلاَمِ، فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِين). ونظَّم الإسلام علاقة الإنسان مع نفسه على ضربين؛ الأول: في مظاهر الملبس والمأكل والمشرب والشكل والهندام. والثاني: نظَّم حركة الفكر في الذهن، فجعل حدوداً وفرائض وشرائع ليَعِيَها المكلف ويحفظها ويعمل بها ويبلِّغها، ومن استكملها استكمل دينه إسلاماً وإيماناً، قَالَ اللهُ تَعَالَى: (لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ)، وعن أبي ثعلبةَ الخشني (رضي الله عنه) قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم): (إنَّ اللهَ حَدَّ حُدُوداً فَلاَ تَعْتَدُوهَا، وَفَرَضَ فَرَائِضَ فَلاَ تُضَيِّعُوهَا، وَحَرَّمَ إشْيَاءَ فَلاَ تَنْتَهِكُوهَا، وَتَرَكَ أَشْيَاءَ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ فَاقْبَلُوا وَلاَ تَبْحَثُوا فِيهَا). أما الفرائض، فهي الأعمال المفروضة الواجبة، وأما الحرام؛ فهو الممنوع المحذور، وأما الحدود؛ فهي أن لا يحدث أمراً على غير مثال سابق من كتاب أو سنة أو إجماع أو ما على مثل معناه. وأما الأشياءُ المتروكة؛ فهي العفوُ مما أذِنَ به اللهُ أن يُنتفَعَ منه بدليل التسخيرِ العامِّ. وأما الأشياء التي لا يُبحث عنها، فهي الأمور المتشابهاتُ التي لا سبيل للعلم بها. هذا منهج التفكر والنظر والبحث في الأدلة لمعرفة الإسلام والسير على هدى النبي (صلى الله عليه وسلم) فيما يقع أو يمكن أن يقع، كتب عمر بن عبدالعزيز إلى عامله يقول:((إِنَّ لِلإِيمَانِ فَرَائِضَ وَشَرَائِعَ وَحُدُودًا وَسُنَنًا، فَمَنِ اسْتَكْمَلَهَا اسْتَكْمَلَ الإِيمَانَ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْهَا لَمْ يَسْتَكْمِلْ الإِيمَانَ، فَإِنْ أَعِشْ فَسَأُبَيِّنُهَا لَكُمْ حَتَّى تَعْمَلُوا بِهَا، وَإِنْ أَمُتْ فَمَا أَنَا عَلَى صُحْبَتِكُمْ بِحَرِيصٍ)). |