حقبة من العار   عدد القراء : 973   .

عمار السامرائي

عندما ينهار كل شيء وتمحى الخطوط وألوانها , ليصبح مسرح الأحداث بطولة وهمية لا تمنح إلا لمن هانت عليه بلاده , يحق لنا أن نختار ما نختار من عناوين رغم قسوتها , فما يجري في العراق اليوم يخجل منه كل وصف ذميم أو قيح نازل من جثة متحللة .
من أين نبتدي , وهل يجوز لنا العالم أن نكتب أحتضارات بلد تتآكل معالمه وحدوده بآفة السوس وديدان الديمقراطية الجدد .
حضارة وألق واسم صيغت حروفه بشلال الدماء , وارض نبتت فيها أرواح الأنبياء (عليهم السلام) وروابي تشهد وذرات ترابها على أن الرجال ها هنا تولد كل عام , ويبدو إن ذلك كله لم يكن كافيا لإيقاظ ضمير البعض والمباع سلفا , وهو يرقص طربا على موال احتلال العراق وسيمفونية عصر الأعاجيب .
فأي كرسي هذا الذي يصير حزن بغداد الرشيد عيدا يحتفل به ! ومصحوبا بسخرية ممن تلتهب خدودهم بحرارة الدمع النازل من ذكريات شناشيل العيون , ومتهمين صدور الأحرار وهي تقبل الرصاص بما تحمل من قضية شرفها الله بها , بأكبر الكبائر وأقذع الصفات , حتى غصت السجون بمن لا ينال غفران الأب الجديد بوش , وليصبحوا بين ليلة وضحاها جسما غير عاقل تجرب فيه مبتكرات العصر الحديث من مطارق ومفكات ومثاقب , وكأنهم بذلك يؤسسون لمنهج وطريقة مثلى لفهم ما تعنيه الأوطان , وكيف يعامل الإنسان حينما يجهر بحبه لتراب بلاده ووفائه لأرثه الكبير .
أنا إنما أخاطب من حملته دبابات المحتل فوقها مزهوا كي يباع العراق وبأبخس الأثمان , لمن لا يمتلك طهره ومجده .
ضحكاتهم البالية وشعاراتهم المريبة كانت سكاكينهم , وحياءهم المفقود هي جيوبهم المتسولة يوما ما ! والمتنظرة على حساب ارض السواد المبعثر الأشلاء .
أي حب وعراقية هذه التي ماعهدناها , بل تخنقنا حتى نكاد نسلم الروح كمدا , وأي قادة هم في ميزان الرموز من أجبر العراق وأهله قسرا على مشاهدتهم كل يوم , فبلادي اليوم فيها الجريمة كاملة , أو تدون ضد مجهول , حيث الشبهات والوهم والنفاق على قاموس الكلمات , فالبون بات شاسعا مابين الثائر والمخادع , حينما ركنت مكيدة الشيطان الأكبر كما يسموه الأول في زوايا واقعنا الجديد , وجعلت من الثاني من يتقدم الصفوف .. !
كيف لا ومازال للآن عندنا من يمتهن حرفة الهتاف والتكبير (الله اكبر).
لقد أبت أقدارنا إلا إن تذيقنا مرارة الأحزان , حينما حشرت سني أعمارنا قسرا بين دفتي الفترة المارقة هذه , ونحن نرى المحبين لبلادهم ينزوون بحشرجة البيوت ودجى الليالي المروعة , وعلى النقيض ترى اللصوص ببزات ونياشين وقد امتلكوا الوقت كله , كي يجهزوا على ما تبقى من فطرة سليمة أو مبدأ تائه اليوم ! فالتأريخ وعلى مر الزمان كان حياديا منصفا لمن يتعاطى معه بنبل وإباء , لأنه أنما يدون بقلم عشرات السنين القادمة , وبمداد الموقف والنتيجة التي تعز الأوطان فيعلوا شأنها , فكثير من الأشياء تهون خسارتها , فمنها ما يعوض ومنها ما يترك لتفاهته أو لوجود بديل يقوم مقامه , ( إلا تراب الوطن ) فبدونه يفقد الإحساس وطعم الانتماء والوفاء لكل شيء , من جذور الصرخة الأولى فالنشأة إلى اسم العراق أغلى الأسماء .
ولنا في مخلوقات الله عز وجل عبرة والتي فضلنا عليها بنعمة العقل , بعد أن جمعتني الصدفة وحدها بشاة يقتادها الجزار في غرة عيد الأضحى المبارك , ووليدها الرضيع يركض مضطربا فيرمي بنفسه أمامها وحولها متحدثا بلسان التمرغ في التراب والثغاء اللامفهوم لنا , عن تضامنه ومشاركته محنتها , ومعبرا بأجمل ما يملك الحيوان من قدرة على حبه ووفائه لمن ولدته وأرضعته يوما من الأيام...