الجذور الدينية والتأريخية للعدوان على العراق.. الأساليب والوسائل   عدد القراء : 1537   .

استخدم الاستعمار الغربي مع الزمن وسائل مختلفة ومتطورة في حروبهم العدوانية تجاه امتنا العربية والاسلامية بشكل عام وفلسطين والعراق بشكل خاص ومن هذه الوسائل:
* وسيلة التفوق الساحق: فالتفوق العددي والمالي والتكنولوجي هو من اهم مقومات العدوان ويسعى الامريكان والانكليز والصهاينة على اجهاض كل مشروع يؤدي الى الاخلال بمعادلة التفوق حصل هذا مع مصر عن طريق شن حروب اجهاضية متواصلة وعنيفة كما حدث في عدوان 1956م وحرب 1967م ومن المعلوم ان عدداً من الدول الغربية شاركت بشكل مباشر او غير مباشر في الحرب مع (اسرائيل) ضد مصر والدول العربية وفي مقدمتها انكلترا وفرنسا والولايات المتحدة ويحدث الآن ومنذ عقود مع العراق مستخدمين مبررات استفزازية منها الاتهام بتصنيع اسلحة الدمار الشامل وتهديد الجيران وانتهاك حقوق الانسان غير ان الهدف الاساس هو ابقاء العراق كما ابقت غيره من الدول العربية في اوطأ درجات الاستعداد من حيث مقومات المواجهة مع (اسرائيل) او اي عدو محتل.
فكان من اهداف الحصار اعادة العراق الى قرون التخلف والانحطاط وضرب بنيته الاساسية وجعله معتمداً بالكلية على الآخرين علمياً وصناعياً وزراعياً وتشتيت قدراته وتمزيقها وتمزيق وحدته الوطنية واجبار الكفاءات العراقية على الهجرة وكسر نفسية الانسان العراقي عن طريق افقاره واذلاله والسعي لجعل الجهد العسكري والعلمي والتقني بل والاكاديمي في ادنى مراتبه. فلم يستطع الامريكان ومن معهم من تقديم اي مسوغ شرعي او قانوني للعدوان او التهديد به كما ثبت انه ليس لديهم اي مشروع حضاري يقدمونه للآخرين وانما انطلاقهم يكمن في مبدأ شريعة الغاب والذي يعتبر واحداً من اهم اسس ما يسمى بالحضارة الغربية وهو مبدأ البقاء للاصلح، والاصلح في مفهومهم هو الاقوى.
* وسيلة السعي لاختراق الامة من داخلها:
كان وما يزال اختراق الجبهة الداخلية اخطر اسباب هزيمة العرب والمسلمين امام اعدائهم حصل هذا بالامس القريب جداً في افغانستان وحصل ذلك ايام العدوان على العراق عام 1991م و2003م وحصل ذلك عند دخول القوات البريطانية الغازية الى العراق وفلسطين عام 1917م وحدث ذلك ايام الحروب الصليبية وخلال غزو المغول لبلاد المسلمين عامة والعراق خاصة.
ولقد سعى الاعداء لاستغلال حالات النزع والخصومة بين المسلمين وحالات الاحباط عند البعض والناتجة بسبب تلك الخصومات والنزاعات الداخلية وعلى مدى التاريخ الاسلامي وحتى في عهد النبوة والخلافة الراشدة ولكنهم كانوا يفشلون بسب استعلاء الجانب الامني وقوة العقيدة وقوة الانتماء للدين وللامة وللوطن رغم الخلافات الظاهرة سياسياً وفقهياً.
وذكرت كتب السيرة ان قيصر الروم طلب من حليفه ملك غسان ان يبعث برسالة الى الصحابي الجليل كعب بن مالك الانصاري يحرضه فيها على التمرد وكان احد الثلاثة الذين تخلفوا من غزوة تبوك وامر النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) باعتزالهم حتى يحكم الله في امرهم فكتب اليه قيصر: (ان الله لم يجعلك بدار ذل وهوان وقد علمنا ان صاحبك جفاك فالحق بنا نواسك) فما كان من ذلك الصحابي الجليل الا ان احرق تلك الرسالة واستغفر الله لان الاعداء طمعوا فيه.
ولذلك فان ترصين الجبهة الداخلية ومعالجة كل حالات الاحباط ونقاط الضعف هو من اهم عناصر مجابهة العدوان والتصدي له. وبسبب البعد عن العقيدة الاسلامية الحقة وبسبب الظلم الشديد الذي عانى منه العراقيون خلال حكم النظام السابق وبسبب ذلك التشتت كانت الجبهة الداخلية في اشد حالات ضعفها قبيل العدوان الاخير.
* زرع الجواسيس في جسد الامة والوصول بهم الى مراكز القرار:
وقد نجح الاعداء مراراً في هذا الجانب ولا ادل على ذلك من قصة الميجر (سون) الانكليزي والذي عاش 35 سنة في العراق ومناطق كردستان، وقصة لورنس العرب في جزيرة العرب، وقصة اليهوديات روكسلانة زوجة سليمان القانوني ونوربانو زوجة السلطان سليم والجاسوسة اليهودية استيركير والتي اصبح لها دور كبير في السياسة الداخلية والخارجية للدولة العثمانية اواسط القرن السادس عشر الميلادي حتى انها اصبحت مسؤولة عن كمرك اسطنبول عاصمة الخلافة آنذاك.
وكانت الاولى من يهود روسيا والثانية والثالثة من يهود البندقية وكن يعملن لصالح اليهود والقوى الغربية.
* التحالفات الدولية:
يؤكد د. مسارع الراوي في بحثه عن الصراع بين الغرب المستعمر والمسلمين ان المعارك الصليبية كانت اول حرب عالمية في التاريخ حيث اشتركن فيها غالبية الدول الاوروبية وبالتحالف مع المغول والتتار ضد العرب والمسلمين.
لقد قادت انكلترا حلفاً مكوناً من جميع الدول الاوروبية في حروبها الصليبية المتعاقبة كما بذلت فرنسا جهوداً هائلة للتحالف مع المغول وذلك بقيادة ملك فرنسا لويس التاسع وخاقان المغول هولاكو وذلك بهدف سحق العالم الاسلامي بين فكي الكماشة. ففي الوقت الذي تقدمت فيه جيوش المغول الجرارة من جهة الشرق لمهاجمة العالم الاسلامي هاجمت القوات الصليبية شواطئ مصر والشام باكثر من 1700 سفينة وقد شاءت ارادة الله ان تنكسر هجمات الصليبيين عند شواطئ المنصورة ودمياط ورشيد وان تنكسر هجمات المغول في عين جالوت على ارض فلسطين.
كما حاول الغربيون استغلال فترات التحول الخطيرة في العالم الاسلامي وتوظيفها لصالح تحالفهم استغلوا ذلك ايام تحول ايران للحكم الصفوي حيث سعت اوروبا للتحالف معهم لضرب العثمانيين ففشلوا احياناً ونجحوا احياناً اخرى وكان الصليبيون قد نجحوا في التحالف مع تيمورلنك لضرب العثمانيين في زمن السلطان بايزيد الصاعقة بن مراد الاول.
كذلك استغلت الدول الاوروبية تحول تركيا من الحكم العثماني الى الحكم التركي القومي الطوراني للتحالف مع تركيا الجديدة فنجحوا في جعل هذا البلد المسلم الشرقي حليفاً لهم ولـ(اسرائيل) بالرغم من كون تركيا دولة شرقية ومسلمة وعضواً بارزاً في منظمة المؤتمر الاسلامي. وما زالوا يستخدمون التناقضات القومية بين العرب والاكراد والمذهبية بين السنة والشيعة كوسيلة من وسائلهم الشريرة.
* اضعاف الحكومة المركزية: على مدى تاريخنا الطويل كانت هناك علاقة طردية بين ضعف الحكومة المركزية وبين حالات الهزائم والانكسارات والعكس صحيح.
فالفتوحات الاسلامية العظيمة حدثت حينما كانت هناك حكومة مركزية قوية تمسك بزمام الامور في جميع ارجاء البلاد. حصل ذلك في عهد النبوة والخلفاء الراشدين وحدث ذلك في عهود عبد الملك بن مروان وسليمان بن عبد الملك والوليد بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز وحصل ذلك زمن العصر العباسي الاول في خلافة المنصور وابنائه وفي خلافة هارون الرشيد والمعتصم والمأمون وحدث ذلك زمن الخلفاء والسلاطين من آل عثمان.
بينما تمكن الاعداء من الحاق الهزائم بنا ايام ضعف الحكومات المركزية وبروز الدويلات والتكتلات داخل كيان الامة. حصل ذلك في زمن الحملات الصليبية حينما اصبحت الخلافة في بغداد مجرد رمز ونشأت دويلات كثيرة متناحرة ولم تستطع الامة دحر الاعداء وتحرير القدس الا حين اعادت للخلافة هيبتها ومركزيتها بتأثير من الشيخ عبد القادر الكيلاني والسلاطين من آل زنكي وصلاح الدين الايوبي.
وحدث ذلك زمن دويلات وملوك الطوائف في الاندلس حتى تآكلت تلك الدويلات الهزيلة واحدة بعد الاخرى.
وحصل ذلك ايام حروب فلسطين عام 1948م وعام 1967م ويحصل ذلك ومع الاسف الى الآن فنحن اكثر من 20 دولة بينها من التناقضات الشيء الكثير ولا اقول الكراهية والعداء.
* استغلال ورقة الاقليات: من الحقائق التاريخية ان الملك لويس التاسع ملك فرنسا وقائد الحملة الصليبية في زمانه سعى الى عقد حلف مع المارونيين في لبنان وسعى لجعلهم جزءاً من فرنسا بالرغم من انهم يسكنون في بلاد العرب والمسلمين كان ذلك عام 1245م. واثناء حملة نابليون على مصر والشام سعى الى استغلال اليهود من داخل البلاد العربية واعلن نداءه الشهير لهم وسماهم الشعب الفريد طالباً منهم الانضمام الى حملته على الشرق ووعدهم بفلسطين. كما حاول الانكليز استغلال بعض الآثوريين في العراق وايران وتركيا وشكلوا منهم جيشاً خاصاً اسمه (الليفي) ايام الاستعمار البريطاني للمنطقة. واستغلال فرنسا للورقة الامازيغية ثم تأجيج الصراع العربي والكردي والتركماني.
هذا هو التحدي الاستعماري الغربي والصهيوني ونحن نواجه اعنف حلقاته فماذا نحن فاعلون وما هي استجابتنا لهذا التحدي الرهيب؟.