قصة قصيرة /رؤيا الأستاذ   عدد القراء : 946   . عامر المدرس

اقتنص نظرة إلى خيال زوجته المنعكس على الحائط المقابل لطاولته الخشبية القديمة والذي رسمه ضوء الفانوس الباهت والذي يضفي على أجواء الغرفة نوعاً من الحزن والسكون الذي لايقطعه سوى أصوات المدافع القريبة أو صوت الطائرات التي تخلف ضجيجا مرهبا .أراد أن يقول لها كلمة يحرك فيها السكون ويفجر فيها هذا الكابوس وان يأخذ بها بعيداً عن هذا الجو ..فأعاده صوت انفجار قريب إلى صومعته المتخيلة واكتفى بان يقول :يارب سترك.
ماذا لو سقطت قذيفة على بيتنا أو قام احد جنود الاحتلال...أو قتلوا طفلي الصغير علي أو سحبوا سفانة من شعرها الفضي اللامع .كيف سأكون حينها ؟ جبان متخاذل ؟ خائر ضعيف ؟وحش كاسر ؟سأقف كجدران البيت بلا حراك؟ لاادري ربما المحنة اكبر مما أتصور ؟!! اعتلت وجهه سحابة هم وكآبة ربما هي المرة الأولى منذ سنين طويلة يترك التفكير على وجهه هذه الغمامة النكراء..
أبعدَ إحدى ستائر غرفته ليدخل ضوء البدر المنير إلى خلايا غرفته بعد أن بدأ النعاس يشق طريقه إلى عينيه بلا هوادة فتثاءب..وتعوذ بالله من الشيطان ..ونقل يديه بالقرب من رأسه..
أبا علي..أبا علي..ماذا هناك يا جيهان ..تعال واسمع وشاهد أعجب خبر في التأريخ .. زغردت والدموع تتقافز من عينيها وهي تهرول داخل البيت هرول خالد حاسر الرأس ماذا هناك يا امرأة؟!!! ماذا حصل خبريني ؟ السماء امتلأت بالعيارات النارية ،هرولتُ إلى التلفاز،المذيع هو الآخر يبكي ويكفكف دموعه وضجة داخل القناة ..جلست وقد بلغ الإعياء مني كل مبلغ !! ثم اطل المذيع من جديد بيان رقم (بسم الله) انسحبت قوات الاحتلال اليوم من العراق وستكمل انسحابها خلال اقل من 3 أشهر وقدمت وعودا دولية بالانسحاب وأقرت بأخطائها وسوف تعوض العراقيين عما ارتكبته في العراق ..الله اكبر..والعزة لله.
لم أكن اصدق ما يحدث ولكن الخبر صعقني فصرت أهتف بلا شعور عاش العراق ..عاش العراق ..يموت ويسقط الاحتلال ..هرولت إلى خارج البيت هاتفاً وصارخاً ومجلجلاً الموتُ للخونة العملاء وليذهبْ الاحتلالُ إلى الجحيم..والعراق بلدنا نحن فقط وليس الغرباء تحيا الحرية ويموت الاستبداد لم أكن أطيق القيد الذي لزمني من سنين واشعر بأن صدري يستقبل الهواء بصورة عجيبة وكأن ثقلا عن صدري قد رحل ..نعم يا خالد أنت حر الآن ..صرخت بصوت عال انتم أحرار أيها المعتقلون أيها الأبرياء أيها الأحباب والأصوات تهتف والأيادي تتشابك والشرفات فيها النساء تزغرد بلا شعور وبين حين وآخر المح مجموعة من الصبية يمرحون ويرقصون.
وعلى مقربة من الطرق القديمة في الحي قابلتني مجموعة كبيرة من الفتيان يجوبون المدينة ولا اعرفهم على الرغم من كوني احد سكنة هذه الحي منذ 15 عاما، لم آبه إلى ذلك والكلمات تتفجر من فمي والهتافات تعلو والناس تموج بهم الفرحة والمآذن تكبر والسماء غير السماء التي اعرفها هي الأخرى فرحانة مسرورة دخلت في جموع حاشدة تهرول في الطريق لم اشعر بأنني أسير حافي القدمين وأنني قد هرولت على ما يزيد على ثمانية أميال.
بدأت الهث من شدة التعب وبدأت استدرك على نفسي وانأ أعيد المناظر التي مرت بي وأنا ازحف مع الجموع السعيدة بهذا اليوم ،المجموعة ،نعم المجموعة التي شاهدتها قرب الحي القديم ترى من يكونون هم ليسوا من أهل المدينة؟؟!.
دفعتني الجموع إلى الوقوف أمام محل لبيع الزجاج، فإذا بي المح رجلا عجوزا يقابلني في المرآة ! من ياترى هذا أنا؟ أنا خالد النجار ..الشيب يملأ راسي والتجاعيد تحفر في وجهي الكثير من الأخاديد ويلتاه لقد بلغت من العمر سنينا ،تلمست وجهي الذي فارقه البهاء وانتشرت فيه أحاديث الأيام ونسجت على صفحته كلمات البؤس والشقاء رسماً واضحاً!!آه كم وكم من الأيام مرت والاحتلال جاثم على صدورنا..
مزحة هذه يضعها القدر أمام عيني وأنا أتلمس وجها خشناً كحجارة الجدران وصلباً كالماسة التي يستخدمها صاحب محل الزجاج ،تراجعت إلى الوراء قليلاً واستدركت على نفسي أمام هذه الجموع ،ما ضرني أني صرت كبيرا أو اعتلى رأسي الشيب المهم أن الحاقدين قد رحلوا أن اللصوص قد غادروا مدحورين منبوذين مقهورين.
عدت إلى الدار التي اقطن فيها منذ سنين وبدأ الشباب والصبيان يستبدلون صور الطغاة الذين ظهروا مع الاحتلال ،وكعادة المظلوميين الثائرين رأيت جماعة من الطائشين يحرقون بيتا لأحد الجواسيس الذين تسببوا بقتل العشرات من العراقيين.
وعلى الطرف الآخر من الشارع رأيت أعلاما جميلة بدل تلك الأعلام التي رفعت فوق مكاتب الأحزاب التي تتحدث بلساننا وتحمل السلاح ضدنا. ومع الأسف رأينا في تلك الأيام من يركع لهم ويخدمهم من غير أن يعي ذلك ،لله درك يا عراق ما أنبلك وما أقواك.
أسرعت إلى المسجد وانا فرح جدا بهذا اليوم السعيد إنها العودة إلى مسجدنا الحبيب إلى حلقاته المباركة إلى أحبابنا الذين حرمنا منهم طيلة الأعوام الماضية وكان قدراً جميلاً أن رأيت رجلا عجوزاً يشبه خطيب مسجدنا وكان قد سجن في احد سجون الاحتلال يومها، قصدته من غير رهبة وكان يحدث بعض الشباب عن أيامه  وأحواله واقتربت أكثر فانتبه لي وأدار وجهه نحوي كمن رأى عجباً فصاح بفرح خالد النجار قلت بفتور فيه من الرهبة الشيء الكثير ..نعم نعم أنا خالد، فطارَ إلي وحضنني باكياً شعرت باحمرار وجهي وأصبحت الدنيا تدور برأسي لكني لم أتعرف إليه بعد ربما هو إمامُنا القديم أو أخوه أو احد أصدقائي الذين نسيتهم بسبب الفراق.
ألا تذكرني يا خالد أنا عبد الجبار خطيب مسجدكم. فما أن سمعته قالها حتى كأني بالأرض تبتلعني وتقذفني إلى باطنها مرات عديدة وأحسست بأنفاسي تتفجر والصاعقة تنزل على رأسي، فأجبته أين شعرك الأسود وعيناك الواسعتان وظهرك الباسق وجمالك الرائق أين ابتسامتك المعهودة، آه يا شيخي الحبيب كم أثقلتك السنون بصعابها. كبَّر، ثم ربَّتَ على كتفي وقال أنها ثمن الحرية يا خالد ثمن الحرية.
لم أكد انهي الركعة الأخيرة حتى أحسست بيد ناعمة بيضاء وجميلة على كتفي تهزني ولكني كنت في الصلاة و اليد الجميلة لم تمهلني فقد أخذت تهزني بشدة فتعجبت من فعلها على جمال لونها ورقتها وعلى هزها العنيف لكتفي، فانتفضت فزعاً والعرق يتصبب من وجهي وزوجتي تقول وتتحدث معي من غير أن اشعر وهي تعجل بي من اجل أن لا أتأخر عن المدرسة ،عندها عرفت أن الذي رأيته كان رؤيا جميلة تذوقت فيها طعم الحرية وزوال الاحتلال والأمن الجديد وكيف أن المرء يذوق الموت مرة.