قصة قصيرة   عدد القراء : 1107   .

شاكر مهاوش

نقلت أخبار حصاد ذلك اليوم؛ ( أن جنديا امريكيا وا حدا قضى في حادث سير! ) . نفث نافع سيكارة بحنق واضح ورمى بقلمه جانبا وهو الصحفي الذي لا يرضى بأنصاف الحقائق ، فمقتل الجندي حقيقة ... ولكن كيف قتل ؟ هو النصف الآخر الكاذب ... قال لزميل له يشاطره غرفة التحرير:
-الى متى يكذبون علينا ...هل تعلم ، لماذا يقولون حادث سير؟ وذلك لكي يعطوا ايحاء لمواطنيهم في الولايات المتحدة الامريكية والعالم ان هذا الجندي يعيش حياته الطبيعية في العراق يسير في الاسواق ويقطع الشارع سيرا على الاقدام وتعرض حينها لحادث سير او دهس كأي عراقي آخر ، لقد تكررت اكاذيبهم الى متى يكذبون ..؟ تبا للاعلام عندما يسخر لخدمة كذب مروجيه.
لم يأبه زميله لما يقول ..ماطا شفتيه وهو الذي ينفذ تعليمات رئيس التحرير الكلاسيكية بحذافيرها ، وهي التي لاتخرج عن تطبيق التعليمات الرسمية وقل التي تزرع الجبن في نفسية الصحفي قبل ان يخط أية كلمة على الورق!.
رفع يده وخلل اصابعه في شعره يتحسس فروة رأسه التي يغلي ما تحتها ، لا احد يفهم ما يعاني بل قل ما يكابد .. لا يجد مادة صحفية يقتنع بها لكي يستل قلمه ويكتب عنها كما يريد رئيس التحرير منه ذلك ويلح عليه ، وهو يردد على مسامعه:
- نافع ، انت كسول ، انتاجية عملك صفر!
وقف قليلا ، لم يكن متأكدا من اي شيء حوله ، يشعر انه غريب عن محيطه ، ما يجري في الشارع من مآس ومحن لو قدر له ان ينفث ما في صدره عبر قلمه عندها لكانت انتاجيته لا تبارى ، لكن ، ماذا يفعل جرب الكتابة عن ذلك ، فكان مصير مايكتب سلة المهملات! ،ثم عاد فسأل زميله مرة اخرى:
- انه لا يعرف ، ماذا يتعين عليه ان يكتب او يقول؟ ، فما يرضي رئيس التحرير هو تسطير ما يقوله المحتلون من أنهم يحققون انتصارات لا هزائم فيها.
حاول اثارة زميل له ككتلة الجليد التي لا تتفاعل مع ما يعانيه ، اراد ان يستفزه في مهنيته:
- اتعلم ان صفوة مشاهير صحفيي العالم صنعتهم الاحداث ، ونحن في اتون الحدث ولم نتفاعل مع ما يجري حولنا ، اتعرف ان هيكلاً، كاتبك المفضل ، انت تحتفظ بمجموعته الكاملة على ما اعتقد .. اليس كذلك؟ صنعت منه الحرب الكورية نجما صحفيا لامعا لا يبارى ، قطع المسافات شابا .. لكي يغطي ما يجري في حرب لا ناقة ولا جمل له فيها ، ونحن الان اصحاب القضية محرم علينا ان ننقل ما يجري فيها ، نحن في الاتون وليس على السفح .. هل ننتظر ان يأتي هيكل آخر او وليم الذي ينقل ما يخدم صحيفته المسيسة عما يجري في بلدنا .. اين دورنا؟ .. هل نبقى نردد ما يقوله الناطق الرسمي لقوات الاحتلال ان الجندي اللعين قتل في حادث سير ونحن نرى بأم اعيننا ، كيف قتل وتقطعت اشلاؤه والعشرات من امثاله في كل يوم بفعل من يقومون بالدور كله نيابة عنا .. يقاتلون ويدونون ما عجزنا نحن عن تدوينه .. الم يكن حرياً بنا ان ندونه .. ان ننقله الى العالم .. لكي يُرى ويُعلم ما يجري على ارضنا موثقا من سجال يعجز امهر صحفيي العالم ان ينقلوه بأمانة.
كتلة الجليد لم تتحرك ، ما يهمه هو مرتب آخر الشهر ، شعر نافع انه يقول كلاما فارغا مع انسان لا جدوى منه ، كان يشعر ان ثمة تشميع يتزايد كل يوم في تجاويف دماغه يلتف حوله تماما امام ما يجري من نفاق صريح للاحتلال ، قلب للحقائق ، كان يردد بلسان لم يعد يستطيع ان يتحكم به .. ما يجري نفاق.. نفاق!.
يشعر نافع ان دماغه يتحول يوما بعد يوم الى كتلة لحم  لا فائدة منها مشمعة التجاويف ، سار بهدوء كعادته يوميا متجولا بين اقسام الجريدة ، يرى ان زملاءه منهمكون في عمل لاطائل منه ، جميعهم يردد ما يقوله المحتل عما يجري في البلاد ، يدونون بأقلام منافقة مايطلب منهم ، وما يجري في خارج مبنى الجريدة لا علاقة له بما يدونون ، فضلوا النفاق والتراخي على كراسيهم الدوارة واستلام الاوراق الخضر في نهاية كل شهر ، هذا ما يهمهم وكفى!.
قرر نافع ان يخرج الى الشارع وليحصل ما يحصل ، وافق السيد رئيس التحرير ام لا ، فالشمع يكاد يطبق على حواسه ، لابد ان يفعل مايراه صائباً.
بدأ الشمع ينقشع ، يتبخر ، وهو يمضي نهاره الاول يتصيد ما يراه من معارك وبطولات يسجلها ابناء شعبه وهم يقارعون الغزاة يطاردونهم في شوارع المدينة ، ادرك حقيقة ان الغزاة هم المطاردون وليس المقاومين كما يشيعه الاعلام المسيس ، وضع نفسه في خدمة الحقيقة رضي رئيس التحرير ام لا ، كان يمضي نهاره في المناطق الساخنة من احياء العاصمة يجلس في احد المقاهي يترقب ما يحصل في تلك الاحياء من مواجهات بطولية مع المحتل ، مستنفرا ادواته ، قلمه وكاميرته ، يخرج مع من يدونون الحقيقة الناصعة لهذا الشعب الذي يرفض الذل والمهانة ويقارع الغزاة بصمت مقصود من قبل وسائل الاعلام التابع الذليل للمحتل ، يعود في آخر النهار محملا بمادة صحفية دسمة ، يراها تستحق النشر ويراها رئيس التحرير المسيس ان مصيرها سلة المهملات لانها تتجاوز خطوطاً حمراء يتقيد بها تماما حفاظا على من اسدى له معروفا واعطاه منصب رئيس التحرير وزكاه لدى الغزاة!.
اسقط نافع في يد رئيس التحرير انه لن يطالبه بعد اليوم بانتاجية ،هاهو ينتج ما يراه وما لا يستطيع ان يقدح رئيس التحرير بمدى مهنية ما ينتج لكن الخطوط الحمراء تمنعه ليس الا.
لم يتبق للشمع من اثر في تجاويف دماغه ، ذاب مع تصاعد لهيب المعارك ، عقد صداقات متينة مع بعض رجال المقاومة ، باتوا لا يخرجون الا ونافع معهم يوثق ما يفعلون بالغزاة.
صار لما يكتب معنى وان لم يسمح له بالنشر ، بات يشعر ان المقاوم عندما يطلق رصاصة فانه يطلقها بغية اصابة هدف معين وهاهو يكتب عن شيء ذي معنى.
كان يعود مساء ليقص على زملائه غير المبالين لما يقوله ، كم كانت المعارك مذهلة؟..لقد كانت رغبته بالكلام عما يرى من معارك حامية جارفة تضغط على صدغيه بعنف تهزه هزا بلا هوادة ، يتكلم كثيرا ، يرى حلاوة كبيرة في ان يقص ما يرى مشافهة بعد ان يئس من ان رئيس التحرير اللعين الذي لم يمرر له ولو خبرا بسيطا عما يرى من بطولات فذة واحداث جسام في الشارع الملتهب ، يزعجه ان ينتهي حديثه دون ان يتفاعل معه احد من زملائه لما يقول ، واحيانا يختم مابدأ ، انكم قوالب ثلج ليس الا.
اندفاعه في اتون المعارك سبب له جرحا في احدى يديه ، يفاخر زملاءه انه حصل على وسام شرف لم ينله احد منهم ، وجد ماحصل امرا عظيما في ان يختلط الدم بالحبر ، لم يجرؤ احدهم بعد اليوم ان يرفع عينه في عين نافع حتى رئيس التحرير الذي بدأ يتعاطف قليلا معه عندما لايلقي ماكتب في سلة المهملات ونافع داخل مكتبه ، بدأ يداري مشاعره يقرؤها بامعان ويحتفظ بها احيانا في ادراج مكتبه ، كان نافع يتساءل مع نفسه.. هل بدأ الشمع يضغط على دماغ رئيس التحرير؟.. وهو يراه يحتفظ بما كتب في ادراج مكتبه ولا يكون مصيرها سلة المهملات كما تعود ، كان يرى انه ماض في طريقه الصحيح بنجاح ، وجدت كتاباته طريقها الى النشر ام لن تجد.
وفي احد الايام تأخر نافع عن موعده في الحضور كما هو المعتاد، رئيس التحرير وزملاؤه بدأ القلق يساورهم عليه ، جميعهم يترقب ما يحمل نافع من حكايا عن بطولات ادمنوا سماعها في كل يوم ، لم يبرحوا مبنى الجريدة في ذلك اليوم رغم ان موعد ذهابهم الى منازلهم قد ازف منذ حين ، حل الظلام ولم يعد نافع ، فإذا بأحدهم يحمل حقيبة نافع وعدته يحضر الى مبنى الجريدة ويسلمها الى رئيس التحرير ومعها رسالة مخضبة الاطراف بدم مازال ندياً ، اخبرهم ان نافعاً قد استشهد في احدى معاركهم مع الغزاة وترك هذه الرسالة التي كتبها وهو يلفظ انفاسه الاخيرة.
شعر الجميع بضآلتهم امام ما بلغه نافع من مكانة ، الشهادة شيء عظيم ، قال احدهم:
- ماقيمة ما نكتب ، وهل تستحق الحياة الا ان نقول الحقيقة؟.. قال آخر:
- الحقيقة ما كان يدعو لها نافع ومانحن الا خيال لها.
تلا رئيس التحريرالذي حمل في يده رسالة نافع وفي يده الاخرى ماكتب نافع في الايام الماضية وكان يحتفظ بما كتب في درج مكتبه ، كانت رسالة بليغة حملت معاني سامية عن الامانة والحقيقة والرسالة التي من المفترض ان يحملها كل مواطن شريف ، اطرق زملاؤه رؤوسهم بالارض فنافع من يكلمهم وان كان عبر رسالة ، لابد وان يطرقوا انظارهم في الارض ، شعروا جميعا بأن الشمع في ادمغتهم بدأ ينقشع ويتبخر وان شمس حقيقة ما كان يدعو لها نافع اذابت قوالب الثلج التي احاطوا بها اجسادهم وجمدوا فيها احاسيسهم ومشاعرهم!.
نهض رئيس التحرير من كرسيه الدوار دافعا اياه جانبا ، ممسكا بيديه بماكيت تصميم الصفحة الاولى ممزقا اياه ، مناديا على محرر الصفحة الاولى ان تكون مادة صفحته لهذا العدد تحوي صورة نافع فقط يعتليها مانشيت يقول(استشهد نافع.. الباحث عن الحقيقة) مناديا على محرري الصفحات الاخرى موجها اياهم ان تكون مادة صفحاتهم لهذا العدد الخاص ، الخاص جدا ، حول استشهاد( رجل الحقيقة) دافعا اليهم ما احتواه درج مكتبه من تقارير كتبها نافع وظل محتفظا بها طيلة الايام الماضية.
تحولت اقسام الجريدة الى خلية نحل بعد ان ذابت آخر قطرات ماء الثلج من حولهم وتخلصوا من شمع ما كان يلف ادمغتهم ، اصدروا عددا خاصا بأبهى ما كتبوا في حياتهم المهنية عن رفيق الدرب الذي كانوا عنه يعرضون.
كانت الصدمة مفزعة وكبيرة للاحتلال والحكومة الموالية له ان تخرج تلك الصحيفة الموالية عن طوق الحصار وتقول الحقيقة ، نفد ذلك العدد المتميز من ايدي الباعة مبكرا فالجماهير عطشى لمن يقول الحقيقة ، امرت سلطة الاحتلال الحكومة الموالية لها ان تغلق الصحيفة وتعتقل كادرها بتهمة التحريض وتعمم على الصحف الاخرى امرا بأن ما نشر في تلك الصحيفة(محض كذب وان نافعاً قتل في حادث سير)!!.