الإسلام دين الحنيفية   عدد القراء : 1644   .

د. عبد الموجود الصميدعي *

جاء اعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله وقال: على أي دين أنت يا محمد؟ فأجابه رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلاً: (أنا على دين الحنيفية السمحاء).

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف ان الشائع لدى سكان الجزيرة العربية مبادئ الدين الحنيف، وهو دين أبيهم النبي إبراهيم الخليل عليه السلام، الا انه بتناوب الازمان والعصور فقدوا كثيراً من أخلاق وصفات إبراهيم الخليل عليه السلام وبقي آخرون محتفظين بالدين الحنيف إلى عهود الجاهلية إلى قبل مبعث الرسول الكريم محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة والسلام، وقد ورد ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ: (ان الدين عند الله الحنيفية لا اليهودية ولا النصرانية ولا المجوسية) فاليهود أشركوا عندما قالوا عزير ابن الله، وأشرك النصارى عندما قالوا المسيح ابن الله وكفر المجوس عندما عبدوا النار.
ان لفظ حنفاء كما يقول علماء اللغة العربية هو دين الاضداد يقع في معنى العمل الصالح والاستقامة في القول والعمل، ويقع في معنى الميل والانقياد.
قال تعالى ((فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)).
أي أقم وجهك للدين متحرياً مائلاً إلى الاستقامة والعمل الصالح واتبع فطرة الله التي خلق الله تعالى الناس لاجل اتباع هذا الدين وهذا المنهج، فسميت الفطرة ديناً لأن الناس يخلقون لأجل هذا الدين، قال تعالى ((وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِي)).
وقال تعالى في سورة البقرة ((وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ))، وقال تعالى: ((وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا  وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلا))، فسر الضحاك الخلة لله هو الولاية لله، وليس يقبل الله عملاً غير الحنيفية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ما مولود الا ويولد على الفطرة، وابواه يهودانه او ينصرانه او يمجسانه).
وقال عليه الصلاة والسلام في خطبته (الا ان ربي أمرني ان اعلمكم ما جهلتم مما علمني ربي، كل مال انتحلته عبداً حلال، واني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وانهم اتتهم الشياطين فاجتالتهم، وحرمت عليهم ما احللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم انزل به سلطانا).
وقال عليه الصلاة والسلام: (ان الله خلق آدم وبنيه حنفاء مسلمين واعطاهم المال حلالا لا حرام فيه، فجعلوا مما اعطاهم الله حلالا وحراما).
وان الكلمة المضادة لكلمة الحنف هي الجنف، قال تعالى في سورة المائدة ((غير متجانف لاثم))، فالجنف هو الميل للاثم والإثم هو الحرام فالجنف هو الميل عن الحق إلى الباطل والضلال والعقائد الباطلة.
قال الراعي:
أخليفة الرحمن انا معشر
           حنفاء نسجد بكرة واصيلا
وقال الشاعر في معنى الجنف:
تجانف عن حجر اليمامة ناقتي
       وما قصدت من أهلها السواكا
وقال آخر:
اني امرؤ منعت أرومة عاصم
    ضيمي وقد جنفت عليّ خصومي
وقال آخر:
هو الخليفة فامضوا ما رضا لكموا
   ماضي العزيمة ما في حكمه جنف
سكن الجزيرة العربية بعد الطوفان ولد النبي نوح عليه السلام وهو أول نبي بعثه الله لتصحيح عقيدة التوحيد.
ذكر المؤرخون ان العرب البائدة عاد الأولى والعماليق وجاسم واميم وثمود وطسم وجدبس وغيرهم هم جميع من العرب العاربة التي تتكلم العربية الفصحى وتجيد التعبير والبيان والبلاغة.
وطغت عاد واستكبرت وقالت من أشد منا قوة عندما رأت نفسها انها مطلقة اليد في العالم، - كما قال ويقول بوش اليوم - وقد وصف عاداً ابو الدرداء فقال: ألا ان عاداً ملكت ما بين عدن وعمان خيلاً وركابا.
وعاد من نسل أرم كما ذكرهم الله سبحانه وتعالى فقال ((أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ)).
انحرفت عاد عن عقيدة التوحيد والحنافة في السلوك التي أمرهم الله تعالى في ما سلف من آبائهم واجتالهم الشيطان فعبدوا الاصنام. وما كان الله تعالى ليتركهم على انحرافهم بعد أن كانوا خير الامم التي اخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وهم من ذرية آمنت بالنبي نوح وانجاهم الله من الغرق.
وانحرفت ثمود عن التوحيد قال تعالى ((وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ)).
وقال سبحانه وتعالى: (() وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنْ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ)).
وهكذا بعث الله سبحانه وتعالى في ثمود نبياً لتصحيح عقيدتهم بعد انحرافهم عن عقيدة التوحيد.
وكانت ثمود تتكلم العربية الآرامية سكنت الحجر بين الحجاز والشام إلى وادي القرى وما حولها ولحقت بها طسم وجريس من قبائل العرب العاربة وكانوا معهم باليمامة وما حولها إلى البحرين، وسكنت جاسم عمان.
هذا كله يدلنا على ان سكان الجزيرة العربية منذ أقدم العصور كانوا على عبادة الله الواحد الأحد وعلى دين الحنيفية، وكانوا كلما اجتال منهم الشيطان بمكائده وحيله وطغى عليهم الكفر والالحاد بتأثير الاقوام الأخرى المنحرفة تذكروا فرجعوا إلى اصولهم وعقيدتهم. وكان الله جل جلاله وعظم نواله يبعث بالانبياء تترى لتصحيح انحرافاتهم المتكررة.