مسرحية الأفكار . وأسئلة في الثقافة   عدد القراء : 1338   .

رياض محمد

استميح خيري منصور عذراً وانا استعير عنوان مقالته (مسرحية العواطف) في كتابه الرائع (تجارب في القراءة). فأوظفه في مقالة اخرى لا تمت بصلة لا من بعيد ولا من قريب بعواطف خيري منصور الممسرحة.
انما هي وبصيغة ما تتعقب خطاها في طرح الاسئلة والبحث في مجاهيل حياتنا الثقافية في العراق.
وخلاصة مقالة خيري منصور تلك في قراءته لكشوفات ت.س اليوت الشعرية والنقدية، هي ان عواطفنا الانسانية لا ينبغي ان تكون سائبة مثل صرخات عالية وجوفاء على خشبة المسرح لا حدود ولا شكل لها.. لهاث خَلْف اللغة في شعريتها الكامنة فيها، وليس من ثمة انموذج انساني تتجسد فيه انما ينبغي ضرورة ولكي تكتسب مصداقيتها وانسانيتها ان تتشكل في تطبيقات سلوكية معينة تتمثلها ثم وبصياغات ما تجسمها في واقع الحياة، وعاطفة متورمة في اندفاعاتها يواصل الكاتب ضرورة ان تكون صادقة ليس ضرورة ان تكون انسانية اصلاً، ليست الا نفاقاً خفياً يتربص بنا خلف الكلمات او هذا وباختصار شديد ما بقي في ذاكرتي من مقالة خيري منصور الكاتب الفلسطيني.
اما (مسرحة الافكار) الذي اعنيه في مقالتي هذه فليس له من شأن في ميرسول اوكورديليا او قصائد حمزاتوف- نماذج مقالة خيري منصور في مقالته تلك- انما هي تتعلق كل التعلق بمثقفينا وثقافتنا في العراق في نصف قرننا هذا، وفي الاعوام الاخيرة منه تحديداً اولئك فنارات حياتنا، أولئك ماسكو بوصلات سفننا في بحار الأرض اولئك صانعو نمطيات سلوكياتنا ومفهوميتنا الفكرية عن الكون، اولئك صانعوا وعينا ولا وعينا، اولئك ترسيمات هويتنا الحضارية بين الامم والشعوب. اولئك لكي لا ننحرف كثيراً خارج مسارات التاريخ خارج وعيه اولئك ضماناتنا للمستقبل اولئك نحن في تاثيرات ثقافتنا فينا، وهي -الثقافة- افرازاتنا في التاريخ على ما يرى فيها الدكتور والعالم لانثروبولجي رالف لنتون او هذا ما يفترض في وظيفة ودور الثقافة واهلها في مجتمعاتهم وشعوبهم.
كانوا كثيرين كانوا هم نحن جميعاً وعلى كثرتنا في تشكيلات الافكار وجدلها، كان احدهم هو ابراهيم يوسف وموسى ومجيد وكريم ولطيف وحيدر وعلي وادريس وجلال وسامر ونزيهة ورسمية وآلاف وآلاف غير هؤلاء.
وكانوا أخوة لنا، وكانوا اصدقاء وكانوا اساتذة وكانوا اقلاماً لم تلعق دمنا يوماً، ولا تراخت يوماً امام القبضات الفولاذية تلك التي استشرت في ديارنا، ولا استكانت للقمة العيش التي حوصرنا بها اعواماً واعواماً وهي تتصدى لهذا الدغل السام الذي نبت اخيراً في حقولنا والتف متوحشاً حول جذوع اشجارنا كان احدهم يصك على اسنانه ويحتمل عذاباته ويعلن صرخة ذلك الامريكي الذي صرخ في وجه الطغاة ايام المكارثية التي سادت امريكا في خمسينيات القرن الماضي (يا للعار تريدون خرس السنتنا ولن تستطيعوا ولن تقدروا).
كانوا اخوة وكانوا اصدقاء وكانوا اساتذة وكنا نستحي منهم كثيراً ونكبر فيهم هذه الصلابة التاريخية المبدأية الثورية الانسانية ضرورة وتاريخية ان يرتدي الفكر فقره وعوزه وظلمات زنزانات جلاديه دون ان ينثني ولو قليلاً لعتاة التاريخ وجلاديه.
كنا نستحي منهم ونحن نركن ونألف هذه الانحرافات الخطيرة في حياتنا وما اكثرها ويالفداحة وهمجية هذا الدغل السام المتوحش الذي نبت اخيراً في حقولنا يالفداحته وهو يسحقنا تحت اقدامه ويتلذذ كثيراً بدمنا يلطخ بوابات مدننا، كنا نستحي منهم ونحن نركن الى الفجيعة ونالفها في عراق الامس فلم نحرك ساكنا يذكر ازاءها.. ربما همسات خائفة هنا او هناك، ربما كلمات حذرة نبثها في مقال او قصة او قصيدة هنا او هناك لكننا في نهاية الامر لم نحرك ساكناً يذكر في مياه بحيراتنا الآسنة..كنا نستحي منهم كثيراً. وكنا نرى فيهم سقراطات (من سقراط) العراق في عصرنا هذا.. المجد سيكون لهم لا لنا - كنا نقول في انفسنا- والرفعة ستكون لهم لالنا، واذا كتبوا سطراً واحداً في مقالة او في حكاية او في حديث ضاج في مقهى لهو افضل كثيراً من عشرات كتبنا الانيقة فوق واجهات مكتباتنا ومعارضنا.. كانت كلماتهم وقصائدهم وحكاياتهم تراتيل حزن وابتسامات تحد وعنفوان، وروح وثابة لمقارعة الظلم وأهله الطغيان وزبانيته.
كانوا.. انحنت الاعمدة ولم ينحنوا ما اشد مرارات نفوسنا ونحن نرقب اعمدة ثقافتنا تألف الفجيعة وتنحني للطغيان والانحراف- استكان الكثير من شيوخ ثقافتنا ولم يستكن سقراطات عراقنا اولئك.. احتملوا العذابات والتشرد واستطونوا السجون والمنافي وحملوا شرف الكلمة ولم ينحنوا.
كان كل منهم يضع يوتابياته الخاصة به، حلمه الخاص به، او يشارك غيره يوتابياته واحلامه وكانوا يصرون كثيراً على احلامهم هذه ولا يتنازلون عنها ابداًيحتملون الاذى والالم والعذابات واللوعة ولا يتنازلون عن احلامهم تلك، وكانت احلامهم وخاصة تلك التي اضفى عليها اصحابها شيئاً من دراسته؛ شيئاً من عقيدته شيئاً من تجربة رائعة وكبيرة.. وكنا في انفسنا لا نلومهم كثيراً على احلامهم تلك؛ لانلومهم على تصديهم للانحراف، للانكسار في حياتنا للاعشاب السامة في حقولنا ما اكثر ما حطمت الانحرافات والادغال السامة جهوداً انسانية جبارة ما اكثر ما سقطت ثورات وثورات تحت سيول الانحرافات- كنا نهمس لبعضنا البعض ونحن نكبر في اصدقائنا اولئك فروسيتهم وتاريخيتهم- اسقطت رموز عربية لأنها الفت الانحرافات ولم يتصدَّ لها وسقط الاتحاد السوفيتي جميعاً لانه ادمن الانحرافات ولم يتصد لها، وسقط التاريخ جميعه اخيراً لان الانسانية اوصدت ابوابها في وجه من يريد اصلاح انحرافاتها كنا نضيف ونتألم.
لقد اكتشفوا معادلهم الموضوعي اخيراً في طرح مفهوميتهم المبدئية عما يجري في العراق واهله عوداً على بدء في مقالة خيري منصور وحددوا افكارهم بدقة في نقاط محددة واكتشفوا ان لا جدوى من الارتهان الى العراق في ظل الطغيان والانحراف والادغال السامة ولم يمسرحوا افكارهم؛ لم يطلقوا صرخات جوفاء في الهواء، لا تكاد تقول شيئاً.. تصدوا للطغيان وكان شرفاً لهم يحملونه في بوابات مدننا الواسعة.
وشب حريق الاحتلال الامريكي في العراق ويالكارثية هذا الحريق في العراق وأهله يا لمأساويته للعراق واهله يالمصيبة ما حل في العراق واهله تهون دونها مصائب ومصائب.
ولن اتكلم عن هولاكية- من هولاكو- هذا الاحتلال فما بقي فيه ما يخفى وقراءة منصفة وواعية ومسؤولة لسيناريوهات امريكا في احتلالها للعراق ان عبر ما ينشر في بعض وثائق سرية تناقلتها وسائل الاعلام، او عبر بعض اعترافات كبارهم او عبر بعض دراسات موثقة في استراتجية امريكا في قرنها الامبراطوري الواحد والعشرين او عبر كتب ودراسات سياسية حضارية تاريخية اقتصادية كفيلة بوعي هذا الاحتلال على حقيقته لا بأكاذيبه التي ينشرها كثيراً ويروج لها عالياً في وسائله الاعلامية.
لم يبقَ شيء خافٍ في جعبة السياسة والسياسة الدولية والحمال الفقير ذاك الذي رغب مرة (مفكر روسي كبير) ان يتعلم هو الاخر حقائق السياسة الدولية تعلمها اخيراً في عصرنا هذا وسباق التنافس الدولي على افتراس ثروات الارض وفر (فرصة ذهبية) كبيرة لقراءة هذا الاحتلال وفي كثير من خفاياه وعلى حقيقته وليس كما يروج عنه في وسائل اعلام الغزاة.
ما من شيء خاف في توجهات امريكا لاستثمار اللحظة التاريخية في استعباد واستثمار العالم بشرقه وغربه بشماله وجنوبه ما من شيء خاف في هذه وما زلة لسان بوش او لذة لسانه مثلما صحح احد العرب في هذه (لتكن حرباً صليبية) (واستراتجيات المسيحية الصهيونية الجديدة) (وتمكين اليهود من فلسطين كاملة تمهيداً لهبوط المسيح، مسيحهم في تلك الاكاذيب التي تروج في كتبهم المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام) واحتلال (اكبر كنز تركته الطبيعة للتاريخ) (للتحكم في اقتصاديات العالم جميعه) و((قاتلهم الله انى يؤفكون)) و((يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم ويابى الله الا ان يتم نوره ولو كره الكافرون)) ما أبقت لأحد من حجة في وعي هذا الاحتلال.
واخيراً الى بيت القصيد في مقالتنا هذه ولنتساءل وبمرارة ما بعدها مرارة ما الذي يحدث في العراق في ثقافته ومثقفيه؟ فثوار الأمس احرار الامس مالأوا الدنيا بقاراته السبع صراخاً لاستقدام الحرية الى العراق وانقاذ شعبه المغلوب على امره من براثن الطغيان والهمجية مجيشو الجيوش جيوش (العالم الحر!!) لانتشال الشعب العراقي من مأساته مأساة القرن العشرين سفراء العراق وشراح واقعه الكارثي في عواصم الارض ومدنها الواسعة ابطال الحرية او ما بقي منهم في كل هذه الـ 35 عاماً اصدقائي واخواني واساتذتي ناكرو الذات اولئك جميعاً قاصيهم ودانيهم صغيرهم وكبيرهم تناسوا ضجيج الامس وصرخات الالم التي صرخوها في مدن العالم وصمتوا وصمتوا وصمتوا وهم يمررون في فخاخ اقذر مسرحية نعيشها سوية في قرننا الواحد والعشرين صمتوا وصمتوا وصمتوا واحلامهم- تلك الاحلام الجميلة التي لا ادري الى الآن اخدعنا وخدعوا فيها ثانية وثالثة ام ان خلف الاكمة ما خلفها ولكأنهم استمرأوا همجية الاحتلال الامريكي للعراق بل تمادى البعض منهم فصار بوقاً لاحتلال يسوقه في اسواقنا ويباركه في شوارعنا.. وتمادى البعض منهم فصار جندياً من جنود الاحتلال يمكنه من رقابنا ومدننا .. وهل غادر الشعراء من متردم؟
ما الذي يحدث في الثقافة واهلها في العراق هل تقاعد الثوار؟ هل نجحنا اخيراً في تحرير العراق من اهله وناسه؟
فلماذا نطالب بما هو اقل شاناً من تحرير العراق؟ لماذا نطالب بالوقوف بوجه الاحتلال الامريكي وهو (سيمضون ونبقى)؟ ام سئمنا اللعبة؟ وليس ثمة من جدوى واسئلة كثيرة غير هذه نطرحها عبر صفحات البصائر الغراء فهل من يوضح ويشرح ويوعي ويرد؟ ام ان هذا هو الاخر فيه وجهة نظر ما؟