ألا إن نصر الله قريب   عدد القراء : 1657   .

د. سمية الداهري

انه ابتلاء عظيم وامتحان كبير  عندما تبلغ القلوب الحناجر وتتزعزع همم الرجال وثقتهم وتنقطع اسباب النصر والتمكين بعد بذل كل ما بوسعه وعندما تنغلق الابواب وينقطع الامل وتتأزم وتتفاقم المحنة ولاول وهلة يكون التمكين لاعداء الدين والغلبة لطواغيت الارض وهم يعيثون فساداً في الارض وعندما تصل غطرستهم الى عقر دار المسلمين وبالضبط عندما تمس اعراضهم واديانهم فان المسلمين الحقيقيين لا يترددون عن فعل اي شيء يرد غطرسة اعدائهم ولكن بعد كل هذا وذاك ليس في اليد حيلة وليس هناك فائدة ولا امل يرتجى، هنالك يتردد على الالسنة سؤال بسيط في احرفه عظيم في معناه شديد الوقع على السمع سؤال تساءلوه فيما بينهم بعدما انتهت وانقطعت اسباب النصرة البشرية ولم تبق الا النصرة الربانية بإذن الله ومشيئته اولاً وحكمته ثانياً، فهنالك تبتلى الحقبة الصالحة المختارة الذين هم الا كثر بلاءً بعد الرسل والانبياء، فالبلاء على قدر الايمان فهناك يقول الرسول الاكثر بلاءً والذين آمنوا معه على الاقل منه بلاءً.. متى نصر الله؟ فياتي الرد الالهي والجواب السريع الذي يعقب السؤال بلا فاصل وهو ان نصر الله قريب .. قريب بحيث لا ترونه باعينكم ولكن قد تحسونه بقلوبكم.. قريب وكائن بينكم وماضٍ في صفوفكم وصفوف اعدائكم ولكن لحكمة يريدها رب الارباب لا يظهر جلياً امامكم اليوم، قد يكون غداً وقد يكون قد كان وانتهى بنتيجة هذا الابتلاء والاختبار، وهو باستحقاقكم دخول الجنة بصبركم على هذا البلاء وبذلكم الغالي والرخيص وجهادكم وبذل النفس والمال وترك الاهل والديار ونصركم لدين الله واعلاء كلمته وان لم يتحقق النصر الدنيوي المادي الفاني فقد تحقق النصر الاخروي الخالد بخلود الجنة ونعيمها ودخولكم لها برحمة رب العالمين وغفرانه. قال تعالى: )ام حسبتم ان تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله الا ان نصر الله قريب( (البقرة: 214).
فهذه هي سنة الله تعالى في الاختبار وتمحيص المسلم من المنافق )وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم( (آل عمران: 154).
فلسان الحال يقول ياايها الرسول والذين آمنوا معه ومن جاء من بعدهم من المسلمين لا تيأسوا ولا تقنطوا من رحمة رب العالمين فهو مسبب الاسباب ومقلب الامور من حال الى حال من حال الخسران والذل الى حال العزة والنصرة والتمكين للمسلمين بإذنه تعالى.
فهذا درس بليغ وعظة لكافة المسلمين بان يتحلوا بالصبر والثقة واليقين بنصرة رب العالمين لعباده المسلمين وان تأخر فالباطل مهما طال امده وظهر وتقوّى نفوذه فهو كالزبد الذي يطفو على سطح البحر ويظهر اما الحق فهو كاللؤلؤ المكنون في صدفات محار البحر ما ان يلبث ان يظهر جلياً للعيان وان طال امد بقائه في قعر البحر.
فيجب علينا نحن المسلمين ممن اتبعنا شرع رب الارباب وسنة رسولنا r ان نقوّي انفسنا ونربيها على تحمل الصعاب وتجاوز المحن والتحلي بالصبر والثبات لكي ننال الاجرين اجر الصبر في الدنيا واجر الآخرة والفوز بالجنة وان نبذل كل ما بوسعنا واقصى طاقاتنا لكي لا نكون مقصرين امام رب العالمين اولاً وامام ديننا ثانياً ثم بعدها نتوكل على رب العالمين.
فالله تعالى لا يغير حال الاقوام ما لم يغيروا ما بأنفسهم )إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم( (الرعد: 11). فتغير الحال يجب ان تكون بدايته من الانفس ثم يعم المجتمع، فما تراه اليوم من ضعف المسلمين وتسلط اعدائهم عليهم فهو بسبب تواكلهم لا توكلهم على رب العالمين وضعف نفوسهم وابتعادهم عن منهج رب العالمين، فسلط عليهم سبحانه انواع واقسى البلايا والمحن ليرجعهم الى دينهم والى عقيدتهم ويذكرهم بما سلف ومضى من الاقوام.
فكل زمان ومكان تطغى فيهما غالبية المجتمع تظل هناك فئة ما تزال ظاهرة على الحق الى يوم القيامة وهي الفئة القليلة المنصورة بإذنه تعالى.
فعن ابي امامة t انه قال: قال رسول الله r: (لا تزال طائفة من امتي على الدين ظاهرين، لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من خالفهم، إلا ما اصابهم من لأواء، حتى ياتيهم امر الله وهم كذلك) رواه احمد في مسنده.
فهذه الفئة تدافع عن دين وعرض المسلمين وترفع راية التوحيد لحين ان تنتبه الامة وتستيقظ من سباتها الطويل وترجع الى دينها لتنصر الله به وينصرها الله بهذا الدين الذي ظل وسيظل بإذن الله تعالى منصور العقيدة مرفوع الراية مقوّي الهمم ومصفي النفوس ومدخل المسلمين الى الجنان.
فهيا ياامتي لنرجع الى ديننا ونغير انفسنا ونصلحها لننال الفوز في الدنيا والآخرة ورضوان الله تعالى ونصبر على البلاء كما صبر رسولنا r واولو العزم من الرسل واتباعهم )فاصبر كما صبر اولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم( (الاحقاف: 35).
)واصبر على ما اصابك ان ذلك من عزم الامور( (لقمان: 17).