| مَن المُشَرِّع   عدد القراء : 1298   . د. محمد أمين بكري الكبيسي المشرع بالاتفاق جهة يدين لها الاخرون بالطاعة والا لا معنى لكونها مشرعا وهي بمكانتها هذه تأخذ على نفسها مهمة تنظيم الحياة في المجتمع الذي يدين لها فمن يملك ان يكون مشرعا فينا؟ قد تسمع قائلاً يقول: العراقيون من خشونة الطبع وجفاء الفعل والقول والتمرد على كل آمر وناهٍ لا يصلح لهم الا دكتاتور يتحلى بالقوة والاستبداد وهم على هذه الحال مضطرون الى ان ينتظموا بالتشريعات التي يضعها لهم، وقد يقول وافد مع المحتلين ان الله الخالق حين خلق الانسان جاد عليه بمنحه لم يجد بمثلها على احد خليقته اعني العقل الذي يستطيع الانسان ان يميز به بين ما يصلح له وما يعود عليه بالضرر وترك في ذلك ان يختار، ولو حجرنا على العقل امكانية التشريع والقدرة على الاختيار لعطلنا منحة الله فينا، وربما تقول ابيقورية على قناة تلفزيونية في جمع من النسوة مع شيخ دين او هكذا يقال: ان رجال الدين يعتدون على الخلق والخالق حين يجعلون غشاء البكارة في المرأة رمز الشرف، وكم من عذراء - بهذا المعنى- في غاية الخيانة والتدني والسقوط وكم من اخرى لا تقيم لهذا اعتبارا في غاية الشرف والامانة ان رجال الدين صادروا علينا كل شيء فلم يقتنعوا حتى لا حقونا الى هذه المساحة الصغيرة من اجسامنا التي وهبنا الله اياها لنتمتع بها كما نريد فسلبونا حريتنا فيها ان مساحة جسمي ملكي الذي لا اقبل من احد ان يناز عني فيه. واحسب ان الخطب في هذا وغيره يهون والقناعة ممكنة اذا توفر شرطان، الاول: ان نكون مؤمنين فعلا بان ثمة خالقاً خلقنا وخلق الكون كله والثاني: ان نكون من النزاهة والاخلاص في مكان رائد الحق وطالبه لنسير عليه فاذا توفر ما تقدم وجب ان نقف مع انفسنا فنسأل: هل نحن وحيدون في هذا الكون؟ والجواب بداهة، لا فالكون مليء بغيرنا من الاحياء، بل حتى الاشياء فكلها كائنات وما سمي الكون كونا الا انه يضم كل هذه الكائنات. ثم هل في الكون كائن حي او شيء من الاشياء اوجده الخالق الاعلى واهمله من غير نظام، والجواب الطبيعي الذ لا يحتاج الى كثير كلفة ان كل شيء بعد خلقته نظم ادق تنظيم، وحتى الانسان نظم قسراً في كثير من زوايا وجوده ادق تنظيم وهو في ذلك لا يملك الافلات، ولو حاول لهلك واهلك. تصور انك تريد ان تقطع التنفس فيك او توقف قلبك او ...او ...الخ ماذا يكون؟ فهل نستطيع ان نتصور انه حين خلق الانسان اهمله بلا نظام ينتظمه كما ينتظم كل الكائنات وتركه يغرد خارج السرب بصوت نشاز في هذا الكون الفسيح قد تقول: لماذا لم يجعل نظمه اذاً قسرية كلها فيسير كما تسير الكائنات في داخل السرب ويغرد فيه، ومع اني لا املك وليس لي ان ادعي حكمة الله من خلقه لكني افهم جيداً انه خلق كائنا ممتازا عن بقية الكائنات التي نحس بخصلتين: اولاهما، قدرته على الابداع في الاعمار فكانت مهمته (مستعمرين فيها). ثانيهما: العقل والاختيار فكان مجيئه الى الله واختياره نظام ربه طواعية ميزة ثانية انه عبد ربه بمحض اختياره لا بنظام يرغمه على ذلك فاذا كان كذلك امتاز عن كل الخليقة ولا يكون عبد ربه اذا كان الامر هو المنفذ هو واذا كان الله يندبه للاعمار فينتدب للتخريب. ان الذي خلقه وكلفه بهذه المهمة المبدعة ان يؤديها مختارا هو الذي وضع نظام الوصول الى انجازها على اتم وجه اراد منه ان يسلك ذاك النظام السامي طريقا الى تلك الغاية النبيلة، فاذا ما حاول ان يفصم بين الغاية والطريقة اليها كان نشازا وهكذا كان الدين عندما دعا الانسان ان يتخلى عن الدنيا ويعتزل في الصوامع والبيع والتكايا. وهكذا كان اهل الدنيا عندما اختاروا اعمار الارض بنظم وضعوها هم لا من وضع الخالق الذي حدد الغاية وحدد الطريقة اليها فكان من اقتتال في كل مكان وافساد للوجود الارضي كله، في البر والبحر والجو. ان الذي مكننا من ان نختار ووهبنا العقول لنميز بها جعل اختياراتنا مختلفة من شخص الى آخر وعقولنا متفاوتة في التمييز وانا اعتقد ان هذا لازم قطعا للاعمار فلو تساوت الاختيارات وتوحدت العقول لم يكن اعمار ابداً من اجل ذلك اصبح ما تراه انت حقا يجب تشريعه والعمل به قد اراه باطلا يجب نبذه والاعراض عنه ولو تأملنا بتجرد لفهمنا بيقين ان الديمقراطية اكذوبة كبيرة وضعها في اذهان الناس موضع القناعة هذا الزخم الهائل من الايحاء العام وجملة معقدة من الظروف والملابسات صاحبت ولادة هذا المبدأ، تماما كما صدق الناس في عصور الهبوط الفكري ان الدين يقضي بقبول الخضوع الى حد الخنوع لظلم الظالمين وقبول الفقر الى حد الموت وقبول الامراض تفتك بالناس و.... بدعوى ان هذا قدر الله ومن هؤلاء من يشيع اليوم ان الاذلال الذي نعانيه والفرقة التي تستعر بيننا بفعل المحتلين قدر الله وللايحاء العام أثره في تكوين القناعات الخاطئة وعلى المفكرين ان لا يملوا من ايقاظ الناس ليبصروا وجه الشيطان المتخفي خلف ستارة الحرية والديمقراطية. فاذا وافقتني على حقيقة تفاوت الاختيارات وتباين العقول لا احسب ان بي حاجة الى جهد اكبر في ضرورة احتكامنا الى الخالق الاعلى الذي اعطى كل شيء خلقه فهدى، يقرر ما ينبغي ان نفعله على طريق اتمام المهمة وما ينبغي ان لا نفعله وانه سبحانه رتب على مدى التزامنا بنظمه مسؤولية امامه جل في علاه في يوم جزاء محتوم. |