دستور الدولة الإسلامية   عدد القراء : 1907   .

د. صباح عبدالوهاب الداهري

ان الانسان مدني بفطرته، يحرص على الاجتماع والنظام، فلا بد له من سلطة تنظم أموره وتدبر شؤونه المختلفة، فكانت الدولة الاسلامية وهي أول دولة نظام وقانون اقامها الرسول (صلى الله عليه وسلم) في المدينة ثم دولة الخلافة الراشدة حيث كانت امتداداً لها. اذ تقوم على اصول الدولة من وجود دستور وقواعد قانونية تخضع لها الادارة والولايات كلها، واقرار الحقوق والحريات الفردية، وفصل  السلطات، وتنظيم الرقابة القضائية، وتقرير مبدأ اختيار الحاكم ومراقبته وعزله، وبذلك جاء الاسلام بأول دولة قانونية على الارض بالمصطلح الدستوري الحديث.
فالدستور في الدولة يعد الاساس في اقامة النظام في الدولة وخضوعها له، وبيان قواعد ممارسة السلطة فيها.
وقد وردت في القرآن الكريم مجموعة من القواعد والاصول عن الحكم والادارة والملك والسلطان والبيعة والولاية والقضاء والشورى والحقوق والحريات للافراد والحاكم وأهل الذمة وغير ذلك من المصطلحات الشرعية في المسائل الدستورية الحديثة.
قال تعالى :((ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء)) النحل:89.
وتؤكد السنة النبوية وسنة الخلافة الراشدة على تلك القواعد والاصول لنظام الدولة الدستورية وتفسرها وتضيف اليها الكثير من المسائل المتعلقة باختيار الحاكم، ومبدأ الفصل بين السلطات وحق المراقبة ونحو ذلك.
وتعد وثيقة المدينة اعلاناً دستورياً مدوناً لتنظيم شؤون الحكم من الدولة الاسلامية الناشئة. اذ جاءت اعلانا مرحلياً عن اقامة الدولة وسلطاتها السياسية وملائمة للظروف والحاجة.
اذ تؤكد على الامة الواحدة القائمة على العقيدة، فيتحد شعور افرادها وتتحد افكارهم، فيكون ولاؤهم لله واحتكامهم للشرع، واثبات المسؤولية الجماعية، واعتبرت سائر المؤمنين مسؤولين عن تحقيق العدل والأمن في المجتمع، وابراز دور المؤمنين في الاخذ على يد البغاة والمعتدين والمفسدين، وتحمل المسؤولية لأنهم أحرص من سواهم على تنفيذ الشريعة، والتعاون على تطبيق حكم الشرع، واستعلاء المؤمنين على غيرهم، وتؤكد على الترابط الوثيق بينهم وموالاتهم لبعضهم، وان مسؤولية اعلان الحرب والسلم يقرها ولي الامر، ومن ثم يخضع له الناس لارتباطه بالسياسة العامة كما ان عبء الحرب فرض على الجميع.
وتوضح الوثيقة على التزام المسلمين بالعدل تجاه حلفائهم، وتحديد العلاقة معهم، وكفالة الحرية الدينية لأهل الذمة، كما حددت مسؤولية الجرائم وحصرتها في مرتكبها، والاعتراف بوجود سلطة قضائية عليا يرجع اليها سائر سكان المدينة.
وتعبر الوثيقة عن ثبات القيم الاخلاقية في السياسة الاسلامية، وتقرر بان المرجع الوحيد في كل خلاف يقع بين المسلمين مرده الى الله والى الرسول (صلى الله عليه وسلم).(د. اكرم العمري: السيرة النبوية الصحيحة 282/1- 298).
قال تعالى :((وما ينطق عن الهوى ان هو الا وحي يوحى)) النجم:3.
ولا سبيل الى تغيير او تعديل تلك الاصول والقواعد الدستورية الثابتة في الكتاب والسنة والاجماع، اذا كانت قطعية الدلالة على المعنى الا اذا كانت ظنية الدلالة على المعنى او كان مصدرها الاجتهاد، فيمكن تعديلها.
قال ابن القيم :(ان تغير الفتوى بحسب الامكنة والاحوال والنيات والعوائد معنى عظيم النفع جداً، وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة لا يعقل ان تأتي به).
وقال القرافي :(ان الجمود على المنقولات ابداً اخلال في الدين وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف).
وبما ان الدستور قائم على الاسلام عقيدة وفكراً واخلاقاً ومنهجاً وتشريعاً فلا بد ان يخضع الافراد والادارة والولايات كلها للشرع الحنيف في جميع الشؤون والتصرفات.
قال تعالى :((اتبعوا ما انزل اليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه اولياء)) الاعراف:3.
وهذا الخضوع للشرع يستلزم انتقاء أهل التقوى والامانة والكفاءة للادارة والولايات، لكي يحقق خضوعاً اختيارياً للشرع الحنيف.
قال تعالى :((ان خير من استأجرت القوي الامين)) القصص:26.
وقال تعالى :((يا ايها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وانتم تعلمون)) الانفال:27.
واذا لم يتوفر هذا النوع من الناس، فيختار الامثل فالامثل، وبعيداً عن القرابة والمودة او القومية والمذهب وغير ذلك.
ولا بد شرعاً من الرقابة الادارية الدائمة والمحاسبة المستمرة لذوي الكفاءة الامناء، لتقلل الخطأ فيهم وتبعدهم عن الزلل، ولا يعفى أحد من المسؤولية؛ لأن الشرع يأمر بإزالة الضرر ورفعه والتعويض عنه.
اذ كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ومن بعده من الخلفاء الراشدين الكرام يحاسبون الادارة، ويعتبرونها مسؤولة عن اعمالها.
قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) :(كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) متفق عليه.
وقال (صلى الله عليه وسلم) :(ما من عبد يسترعيه الله رعية، يموت يوم يموت وهو غاش لها الا حرم الله عليه رائحة الجنة) متفق عليه.
وثمرة خضوع الدستور للإسلام، هو اقرار واحترام الحقوق والحريات للفرد؛ لأنها قائمة على اساس العقيدة الاسلامية التي تجعل الانسان افضل المخلوقات، وبناءً على ذلك منحه الله تعالى حقوقاً وحريات ثابتة ضمن الضوابط والتنظيمات، غير قابلة للالغاء او المصادرة او الخروج عليها، وخالية من الافراط والتفريط، وهي عامة لكل الناس، وشاملة لكل الحقوق والحريات المختلفة.
قال تعالى :((ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا)) الاسراء:70.
وعلى هذا فان دستور الدولة الاسلامية قائم على مبادئ ثابتة ودعائم راسخة، من العقيدة والتقوى والاخلاق والعمل الصالح والتعاون على الخير، وتحمل المسؤولية في اصلاح المجتمع، والقيام بالعدالة والمساواة والتكافل الاجتماعي، وتحقيق المنافع والمصالح للناس ودرء المفاسد والاضرار عنهم، بحفظ الدين والنفس والعقل والعرض والمال.
والحفاظ على حقوق وحريات الافراد، واحاط كل ذلك بضمانات كافية، تحقق الخير والاستقرار والهداية للامة في ظل الوسطية والاعتدال والتوازن والواقعية والشمولية بعيداً عن الغلو والتطرف والتعصب والجاهلية والقومية والمذهبية والعرقية.
قال تعالى :((اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام ديناً)) المائدة: 3.