| علماء العراق.. صمتنا ملطخ بدمائهم!!   عدد القراء : 1484   . مصطفى أمين - الشرق القطرية - (2-2) علماء العراق هم أصحاب العقول التي بنت للأمة مجداً وقوة رادعة جاهزة كان من الممكن أن تغير وجه الأمة وتأريخها وجغرافيتها لو أدار راعيها الأمر بحسابات سياسية لا بأخطاء متكررة بدأت بحرب ضد إيران ومرت باحتلال دولة عربية (الكويت) وانتهت بدمار لا سابق له في التأريخ العسكري كله منذ بدايته حتى اللحظة. يقول في مسألة الردع عالم العلماء، أو قديس العلم د. علي مشرفة (إن خير وسيلة لاتقاء العدو أن تكون قادراً على رده بمثله، فالمقدرة العلمية والفنية قد صارت كل شيء، ولو أن الألمان توصلوا لصنع القنبلة الذرية قبل الحلفاء لتغيرت نتيجة الحرب.. وهو تنوير علمي للأمة يعتمد عليه المواطن المدني والحربي معاً). ود. مشرفة المولود في دمياط في 1898/7/11 والمتوفى في 1950/1/15، أعطانا الدرس منذ 54 عاماً لكننا لم نستوعبه، ولم نقدره حق تقديره، وحين نفضنا غبار الخضوع، وملأت أنباء قوة العراق العسكرية أرجاء الدنيا، حمدنا الله أننا أفقنا ولو بعد 50 عاماً، ولكن مثلما بنيت وعلت وباتت قوة لايستهان بها، ضاعت وتحطمت وأمست ماضياً نعرف عن نانسي عجرم أكثر مما نعرف عنها!!. وإن كانت القوة ضاعت في زمن العصر العبري المتسيد جيشاً وصوتاً بأقل من 4 ملايين في وجه 300 مليون، فلم يضع الباني؟ ولم يُغتل الصانع؟ ولم نفرض هجرة قسرية على من فكر وخطط وجهز ودرس واستخلص فأنتج رادعاً كان من الممكن أن يغير وجه تاريخنا مثلما كان من الممكن أن يتغير وجه العالم أن سبق الألمان الحلفاء في امتلاك القنبلة الذرية!. والمأساة الأكبر لم ندمر هذه العقول إلا بثمن بخس، لم يتجاوز 15 مليون دولار قيمة 263.1 ألف برميل نفط (بالسعر الحالي) تشكل %1.05 مما ينتجه العراق حالياً. والـ 15 مليون دولار هي إجمالي المبلغ الذي خصصته الولايات المتحدة لبرنامج يدعى (مبادرة للتدريب العلمي والتقني من أجل العراق) واختصاره بالانجليزية( Steem-2 ) ولأن كثيراً من المسميات زائفة ومزورة فإن (Steem-2) غارق في التزوير، فالقصد منه علماء العراق لا العراق، وأترك لأحد جهابذته - ويدعى روز غوتمولر - مقولة يفضح حقيقة البرنامج فيقول (نحن في حاجة لاستقطاب علماء العراق، سندفع لهم ليقدموا مقترحاتهم) ومن سخريات القدر المضحكة المبكية في آن، أن الرجل حدد سقفاً أولياً لمكافأة شهرية لم تتجاوز 50 دولاراً لكل عالم أي أقل من سعر برميل نفط واحد في بلد يخطط له إنتاج من 8 - 5 ملايين برميل نفط يومياً. والبرنامج بطبيعة الحال تعامل مع العلماء الباقين الذين نجوا من الاغتيال والاختطاف والهجرة والتهجير واعتزال العلم، أي أن الرسالة الوحيدة التي لا ثاني لها والموجهة لكل عالم عراقي (إما ان تُقتل أو تخطف أو تهاجر، أو تهجر، أو تتقاضى 50 دولاراً شهرياً لقاء العمل معنا وتحت إشرافنا، أما حكاية بناء مجد لأمة، أو التفكير في تشييد صرح علمي فهذا ليس من شأنكم أيها العرب (!!) مجدداً أكرر) جفت الأقلام ورفعت الصحف!!). حائر ومحير أن تتمكن من رصد مصير علماء الرافدين، مصير غامض يلفه الغموض، ومبهم غارق في تغييب المعلومات والحقائق، ولكن هل لنا إن سألنا أن نجد اجابة؟ وإذا صمتنا ألن يكون صمتنا ملطخاً بدماء من رحلوا منهم، من قتلوا على أبواب معاملهم، وأمام منازلهم، ووسط طلابهم، وقيدت كل القضايا - وبلا استثناء - ضد مجهول. أين أستاذ الهندسة الكيماوية د. غائب الهيتي؟ وأين د. مجيد حسين علي الأستاذ النابغة في كلية العلوم؟ الأخير شبع موتاً برصاصات مجهولة (وهي معلومة ومعروفة ومدانة تمت تحت حكم القادمين على دبابات الاحتلال. يقول عنه زملاؤه - قُبيل مجىء الاحتلال، لأن القول عقبه جريمة - كان الهيتي متخصصاً في بحوث الفيزياء النووية، خصوصاً مجال الطرد الذري الذي يعتبر أساس علم الذرة، فإن كانت تل أبيب اغتالت المشد وسميرة موسى (ميس كوري ايجبت كما أطلق عليها الأمريكيون أنفسهم) فلم يتورعوا عن اغتيال د. مجيد حسين؟ ومن اغتال عالم هندسة الطائرات د. محيي حسين؟ ومن أطلق الرصاص على د. مهند الدليمي؟ ومن وضع خطة اغتيال شاكر الخفاجي وعلي موجد الحميداوي؟ لن استنتج الاجابة من تقرير عربي أو من مادة إعلامية خطها محرر عربي، فهذا الصحفي البريطاني مارك بيرلمان الذي يؤكد (عمدت القوات الأمريكية الموجودة في العراق إلى استحداث شركة خاصة بالأمن أغلب الذين وظفوا فيها من أصحاب السوابق من المجرمين المطلوبين للعدالة لدى حكومة جنوب إفريقيا بسبب جرائم ارتكبوها لحساب النظام العنصري البائد).. ويضيف مارك بيرلمان فاضحاً أحد الأحداث التي شهدتها أعمال العنف في العراق فيوضح أن الانفجار الذي طال أحد الفنادق في بغداد استهدف هذه الشركة التي حملت اسم (rinys Internatinal) وحين أسفر الانفجار عن مقتل الضابط فرانسوا ستريدوم وهو عضو سابق في منظمة مسلحة معروفة في مجال العنف والقتل والاغتيال تدعى ( Koevoet) ومعه أصيب ضابط آخر اسمه دييون غاوس يعمل في منظمة مماثلة يطلق عليها (Vlakplaas) فغرّ فاه أحد القضاة المعتزلين ويدعى بيت نتولي، صارخاً (انه لأمر مفزع أن يعمل مثل هؤلاء الأشخاص لحساب القوات الأمريكية في العراق). من هنا اتضحت الرؤية ولولا هذا التفجير وبقاء القاضي الجنوب افريقي حيا يرزق لظلت مهمة هؤلاء المجرمين سرية، ولكن بعدما انكشف المستور سواء في عمليات التصفية أو برنامج الـ 50 دولاراً، هل تحركنا؟ هل سمعنا واحداً من مئات العراقيين المصرح لهم بتولي السلطات والوقوف خلف الميكروفونات للإدلاء بالتصريحات الوردية، تأفف أو اعترض أو تجرأ وسأل واستفسر، لقد هان عليهم العراق من شماله إلى جنوبه، بعدما هانت عليهم دماء علمائه. وإن كانت كل أمور العراق قابلة للنقاش والجدال بدءاً من (طفح الكيل بشأن مطالب الأكراد) ومروراً بأطماع النفط، فإن الموضوع الوحيد غير القابل للنقاش هو (دماء علماء العراق) فليقتل من يقتل، وليهاجر من يهاجر، وليلتحق بدورة الـ 50 دولاراً من يلتحق، وخلاف ذلك ممنوع ممنوع، فإن تحدثت وتجرأت لتسأل فإن هناك طابوراً من مجرمي جنوب افريقيا ينتظرونك أمام مدخل بيت أو داخل مسجد أو أثناء تأديتك طقوس العبادة في كنيسة، أو حتى بين طلابك في درس علمي. منذ فترة طويلة بدأت حين أصرت أمريكا على الحصول على قائمة علماء العراق لاستجوابهم حول كذبة أسلحة الدمار، وأنا أفتش عن الأسماء، والتخصصات، فجاءت المعلومات متضاربة، وتبين أن هناك حالة من السرية الغريبة المفروضة إلى حد أن تعمد كثيرون نشر مقالات وأخبار متناقضة ليصيبوا الباحثين عن معلومة بيأس شديد، وكان لهم ما أرادوا، لاسيما ان لدينا خطاباً إعلامياً غراقاً حتى الثمالة في فضائيات ممسوخة، وأفلاماً مبتذلة، وأجساداً تعرت لتبيع فناً لا هو بفن، ولا هو بغير فن. وسط هذه الحالة الغريبة ومثلما ضاعت قوة العراق، وتبخر ردعه الذي امتلكه بأموال العراق، ضاع العلماء، وحُرقت أبحاثهم، وتسللت - لمن تبقى منهم - إلى عقولهم هؤلاء الذين خصصوا الـ 50 دولاراً ليوجهوها، لتظل الدولة العبرية في مأمن، وليظل السلام قائماً دون تفكير أو أبحاث في حيازة صاروخ أو حتى مدفع رشاش. دماء علماء العراق في رقابنا، وصمتنا سيظل ملطخا بهذه الدماء شئنا أم أبينا. ولأن التاريخ خير شاهد وأصدق دليل أود أن أذكركم فقط حين كتب أستاذ أمريكي في تقريره العلمي (إن تجارب د. سميرة موسى قد تغير وجه الإنسانية لو وجدت المعونة الكافية) كان ضرورياً أن تُقتل!!. وحين كان د. المشد في مهمة بفرنسا من أجل مفاعل أوزيراك كان ضرورياً أن يُقتل!!. وحين بزغ نجم علماء العراق وبانت ثمرة عقولهم كان لابد من قتلهم أو تهجيرهم أو اختطافهم أو توظيفهم بـ 50 دولاراً. نعم نحن أمة ضحكت من جهلها الأمم، رحم الله المتنبي، وألهمنا نحن الصبر والسلوان على أمة أدمنت التفريط في التفريط..
لقراءة الموضوع الاول ..اضغط هنا |