استبداد الخداع أسوأ من استبداد القوة   عدد القراء : 7059   .

القطار الغوغائي.. إلى أين؟!

متى يدرك الذين يتحدثون عن وجود عملية سياسية جارية في العراق او يتصرفون على ان هناك مثل هذه العملية اللاوجود لها، انهم بهذا الحديث وهذا التصرف انما يسهمون عملياً في تكريس الخديعة وابقاء الاحتلال جاثماً على صدور العراقيين حتى إشعار آخر بما يؤدي الى مضاعفة الآلام وسد الطريق على بصيص الامل في نهاية النفق؟.
وبالطبع، لا نقصد هنا بهؤلاء، عملاء الغزو وأدوات الاحتلال وأحصنة المخطط الذين هم بحاجة ماسة معروفة لحكاية العملية السياسية هذه من أجل تبييض خطاياهم.. ولكننا نقصد اولئك الذين ليست لديهم مثل هذه الحاجة مثل نشامى دول الجوار والاوروبيين اللئام وشهود الزور من موظفي الامم المتحدة، كبارهم وصغارهم.. الذين يطلعون علينا كل يوم بالاستعداد لتقديم شتى انواع الخدمات لهذه المدللة الوهمية المسماة (العملية السياسية في العراق).
أليس لدى هؤلاء خبراء ومستشارون يفترض ان يقدموا لهم الوضع في العراق المحتل كما هو في الواقع لا كما هو في المشهد الدعائي للاحتلال..؟!.. هل يقضون اوقاتهم كلها امام شاشات (العرة) المتخصصة في (حذف) الاحتلال من مشهد العذاب العراقي..؟!.. الا يدركون ان كل حديث عن عملية سياسية غير حقيقية يعني بالنتيجة التغطية على واقع اجرامي مأساوي يقول؛ ان هناك في العراق مدناً باكملها تحت الحصار والتجويع والترويع، ان هناك حملات اعتقال وتعذيب وتنكيل لا مثيل لها حتى في أحدث افلام الرعب الهوليوودي؟!
ان هذا يعني ببساطة، حرمان العراقيين من اية فرصة لان يلتفت الى عذابهم، ما يسمى بـ(المجتمع الدولي) او الاقليمي والعربي حتى، الذي لا تفعل مباركته لأكذوبة العملية السياسية سوى تركهم وشأنهم تحت رحمة احتلال همجي اهوج وتحت سطوة عملاء مسعورين من ضباع المخطط.. تجدهم، كلما تقمصوا فنون اللعبة السياسية امام النظارة.. كلما زادت فنونهم الاجرامية التي وصلت الى حد الاستهداف العلني لخطباء الجوامع وعلماء الخير والفضيلة والجهاد.. والى حد الاعتقال والقتل على الهوية.. والى حد ثقب اجساد المغدورين واياديهم واقدامهم بواسطة (الدريل) والقاء جثثهم وهي على هذي الحال في الساحات العامة.
ومع ذلك دعونا نقول ثانية وعاشرة؛ ياسادة ياكرام!.. ان الواقع الحي على الارض يقول، ليس هناك في العراق عملية سياسية اصلاً انما عمالة سياسية وسرقات سياسية وغير سياسية.. وليس هناك نظام سياسي (محلي) اصلا انما اجهزة وادوات وعناصر في خدمة الاحتلال او في خدمة المخطط او في خدمة المأزق.. وليست هناك مقاعد برلمانية ولا مناصب رئاسية او وزارية حقيقية انما مكاتب وضيعة داخل المنطقة الخضراء يشرف عليها مستشارو وجنرالات الاحتلال وسكرتيرات الـ(CIA) والموساد احياناً.
لكن الموجود بالفعل هو لعبة الايهام والتقمص والانخداع التي ينخرط فيها اليوم الاحتلال وعملاؤه وجمهورها في آن معاً ويجري فرضها فرضاً بما تمكن تسميتها بـ(الغوغائية الغاشمة) التي تنفلت على العقول والبصائر الى درجة يمكننا القول فيها، ان ما يؤذي العراقيين هو استبداد الخداع والتوهم باكثر مما يفعل استبداد القهر والقتل.. وكل هذا من أجل كسب الوقت على أمل ان تنشأ متغيرات قسرية لا شرعية جديدة، سياسية او (جماهيرية) من شأنها ان تداوي جراح الامر الواقع للاحتلال او تنهش في عافية الامر الواقع للمقاومة العراقية التي وصفتها (نيويورك تايمز) قبل يومين بانها مقاومة منظمة عنيدة طويلة الامد وليس مثلما تصورها أوهام بوش!!.
ولحسن الحظ فان هناك حالة اصطدام مستمرة بين عناصر الخديعة، وهي عناصر زائفة وطارئة وهشة وبين عناصر الواقع الميداني وهي عناصر حقيقية وثابتة وقوية.. وهذا هو اصل المأزق الذي يواجه الاحتلال والعملاء على حد سواء..فبينما تفشل عناصر الخديعة في اثبات ان المعادلة هي (العراق الجديد) في مواجهة الاشباح الظلامية الحاقدة!!.. فان عناصر الواقع تنجح كل يوم في اثبات ان المعادلة هي هي.. الغزو والاحتلال والعملاء والسراق والمخدوعون والانتهازيون على طرف المخطط.. والرفض السياسي والشعبي والمقاومة البطولية للاحتلال على طرق أهل الدين والارض والمبدأ.
لقد أغرق الغزاة وعملاؤهم البلد والناس في محنة فظيعة مزدوجة، فمن جهة صنعوا الواقع المرير الأمرّ من العلقم على الارض ولا يريدون احداً أن يراه بعينه ويتعامل معه!.. ومن جهة اخرى صنعوا مشهد الدجل الوردي على الهواء ولا يريدون احداً ان يرفض تصديقه وينكر وجوده!.. وفوق هذا، فانهم في هذه او تلك يدفعون قطارهم الغوغائي هذا الى السير باقصى سرعته ومن دون كوابح.. وفوق فوق هذا يريدون ان يملأوا عرباته، ليس بجمهورهم وجمهور عملائهم والمخدوعين جميعاً فحسب.. انما بالعراقيين جميعهم، لا سمح الله ولا سمحت ارادة المجاهدين..
اما في أية محطة سيتوقف القطار اللعين وهل يمكن ان يهتدي جميع او بعض ركابه، في الاقل، الى الصواب والتوبة في يوم ما.. وبماذا يمكن ان يصطدم في النهاية.. ومن يدفع الثمن في حالات كهذه.... فهذا متروك للايام القادمة.. والحمدلله في كل الاحوال.