طبيعة الدولة الإسلامية وأهدافها   عدد القراء : 1716   .

ان الاسلام قد حرص على اقامة الحكم والنظام السياسي على مبادئ ثابتة ودعائم راسخة من الخير والعدل والمساواة واعتبره مسؤولية كبرى وامانة عظيمة للحفاظ على الحقوق المالية والعلمية والعملية، كما يحافظ على اصول العقيدة واحكام الشريعة، بهدف ايجاد مجتمع يسوده العدل ويعمه الخير وتزينه الفضيلة، ويعيش افراده في رفاهية واستقرار وامن وسلام وايمان وهداية في ظل الوسطية والاعتدال والتوازن والواقعية لا افراط ولا تفريط بالتجديد والمرونة والحيوية وهذه هي مقصد الشريعة وغاية الحكم والدولة في الاسلام.

(ولتكن منكم امة يدعون الى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر واولئك هم المفلحون) آل عمران: 104.
ولذا كانت الدولة الاسلامية، دولة فكرية وعقائدية واخلاقية ومنهجية في نظامها وافكارها واحكامها وشورى في تكوينها واصول حكمها، وشمولية في افرادها ورعاياها وحملة فكرتها وجنسيتها وفي ظل حمايتها ونظامها وعدل الاسلام دون مضايقة ولا اكراه.
(لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) البقرة: 256.
وعلى هذا فان الدولة الاسلامية ليست دولة عنصرية محدودة بحدود الجنس المعين، ولا دولة اقليمية محدودة بالحدود الارضية بل هي دولة لجميع الناس وتعتبر واحدة غير متعددة وان التعدد عليها طارئ ما دام حاكمها مسلماً ويطبق احكام الاسلام فيها.
قال شيخ الاسلام ابن تيمية: (بلاد الاسلام كلها بمنزلة البلدة الواحدة) الفتاوى (185/4).
والدولة الاسلامية دولة مدنية من حيث السلطة ومصدرها ومن حيث العلاقة بين الحاكم والمحكوم وبين اجهزة الدولة المختلفة، الا ان المبادئ العامة والامة والحكومة محكومة بالشرع الحنيف، وانه الحكم الفصل بينها اما التطبيق والمراقبة وتحديد المسؤولية واختيار الحاكم ومحاسبته، فيعود الى البشر.
ويقوم الجهاز الاجتماعي في الدولة بتنمية الحياة الانسانية في الاتجاهات الخيرة التي رسمها الاسلام، والتنسيق بين الفعاليات الفردية لتأمين مصلحة الجماعة بالتدخل في توجيهها وضبطها مادياً ومعنوياً.
وهذه الدولة تشمل وظيفتها وامتدادها الى جميع مجالات الحياة بدون استثناء، بالاشراف والتدخل والتوجيه.
وتحافظ على نمو الحياة الخلقية والروحية لكونها من اهدافها الاساسية والعنصر المهم الذي يكوّن الدولة ويحقق اهدافها في وحدة متكاملة للحياة الانسانية.
واهداف هذه الدولة وغاية الحكم، هي اهداف الاسلام ذاته ومقاصده في تحقيق مصالح العباد ودرء المفاسد عنهم، وحفظ الضروريات والحاجيات والتحسينات فتحقق حفظ الضروريات بحفظ الدين والنفس والعقل والعرض والمال وبها قيام الحياة وبالاهتمام بالحاجيات ليعيش الناس بيسر وسعة وبالاهتمام بالتحسينات لتكون حياة الناس على النهج الاقوم بالفطرة السليمة والعادات الكريمة وبهذا تحفظ مصالح الناس في الدولة.
قال الشاطبي: (والشريعة ما وضعت الا لتحقيق مصالح العباد في العاجل والآجل ودرء المفاسد عنهم) الموافقات (36/2).
وقال ابن تيمية: (والمقصود الواجب في الولايات: اصلاح دين الخلق الذي متى ما فاتهم خسروا خسراناً مبيناً، ولم ينفعهم ما نعموا به في الدنيا واصلاح ما لا يقوم الدين الا به من امر دنياهم) السياسة الشرعية، ص11.
فاصلاح الدين والدنيا بحفظ الدين وتنفيذه وادارة شؤون الحياة المختلفة وفقاً له، تلك هي غايات الدولة ومقاصد الولاية في الاسلام وبها تتحقق السعادة والهواية.
(الذين ان مكناهم في الارض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الامور) الحج: 41.
قال الماوردي: (الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا به) الاحكام السلطانية: ص3.
ولا تهدف دولة الاسلام من كل هذا جزاء ولا شكوراً ولا استعلاء في الارض ولا فساداً انما تريد مرضاة الله وحده.
وما دامت الامة مسؤولة في تنفيذ الشرع الحنيف، فهي تملك السلطة على هذا التنفيذ فظهرت النيابة في الحكم والسلطة بان تختار الامة رئيس الدولة واهل الشورى لينوبوا عنها في مباشرة سلطانها، وتنفيذ ما هي مكلفة به شرعاً.
(وأمرهم شورى بينهم) الشورى: 38.
(اتبعوا ما انزل اليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه اولياء قليلاً ما تذكرون) الاعراف: 3.
فكانت قيادة الامة من الذين حازوا على ثقتها ورضاها لما عرفوا من التقوى والعدالة والاخلاص والاستقامة وحسن الرأي ومعرفة الامور والحرص على مصالح الامة.
قال الامام ابن تيمية في قوله تعالى: (ياايها الذين آمنوا اطيعوا الله واطيعوا الرسول وأولي الامر منكم) قد فسر اولو الامر بذوي القدرة كأمراء الحرب وفسر باهل العلم والدين وكلاهما حق وهذان الوصفان كانا كاملين في الخلفاء الراشدين فانهم كانوا كاملين في العلم والعدل والسياسة والسلطان وان كان بعضهم اكمل في ذلك من بعض. المنتقى: ص177.
وقوة الدولة هي قوة معنوية في عقيدتها واخلاقها ونظامها وقوة مادية في اعداد العدة بانواعها واشكالها باقصى ما تستطيعه لتحمي به الحق وتبطل به الباطل.
(واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم) الانفال: 60.
وتعترف الدولة الاسلامية بالدول غير الاسلامية اعترافاً واقعياً فتنشئ معها علاقات لها قواعد تنظمها وتلتزم بها.
ولذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يرسل كتبه ورسائله الى رؤوساء الدول وحكامها وامرائها ويعقد المعاهدات مع البعض مثل كتبه الى قيصر الروم، وكسرى ملك الفرس، والمقوقس حاكم مصر.
ان مصادر هذه الدولة هي القرآن الكريم والسنة النبوية والمصادر التبعية الاخرى بثروتها الفقهية العظيمة اذ ان الاجتهاد في الشريعة سائغ مقبول ودائرته فيما عدا الاحكام القطعية التي وردت بها النصوص وهو امر ضروري لوضع الانظمة والتشريعات المختلفة التي تستفاد منها الدولة.
(فإن تنازعتم في شيء فردوه الى الله والرسول ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير واحسن تأويلا) النساء: 59.
وهذا هو مفهوم الدولة وطبيعتها واهدافها في الشرع الحنيف الذي ينبغي الاعتصام به ونترسم خطاه لبناء المفهوم المثالي الحيوي للعقيدة والاخلاق والمنهج في الدولة الحديثة لتحقيق خير الدنيا والآخرة.
(أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون) المائدة: 50.