قصص قصيرة جداً   عدد القراء : 1466   . (1) أين ورد الصباح؟
كخاتم فضي في اصبع زنجية، وجهك يا ولدي يا بلال وانت بين شجيرات حديقتنا...
هكذا كان يردد (عبدالجبار) معتزاً بولده الاثير الذي بلغ تواً السادسة من عمره والذي سجله في المدرسة واشترى له الملابس الزاهية والحذاء الجديد والحقيبة الجميلة..
لم تبدأ الدراسة بعد، لكن هذا اليوم لبس بلال ملابسه وحذاءه وعلق الحقيبة على ظهره، وقال لابيه: ها يا ابي! هل تراني طالباً جيداً؟
ضمه ابوه الى صدره وكذلك أمه، تغمرهما سعادة لا توصف..
بعد قليل القى بلال الحقيبة عن كاهله، نزع ملابس المدرسة، لبس ملابسه العادية، اخرج كرة القدم، لعب بها في فناء الدار بحيويته المعهودة.
كان باب البيت مفتوحاً وباحدى الركلات اندفعت الكرة خارج الدار باتجاه الشارع، هرول بلال خلف كرته مسرعاً، ليكون على موعد مع القَدَر الذي جاء بسيارة يقودها سائقها بطيش رعوني واضح... وبلمح البصر دهست السيارة حبيب العائلة بلال الذي كان ملء السمع والبصر..
خرج الوالدان المفجوعان المصدومان بهول الحادث الجلل وهما لا يستطيعان حتى ان يبكيا وردتهما الجميلة التي سحقتها عجلة السيارة.. بل عجلة البشر الطائش((خلق الانسان من عجل))
ويلاه عليك يا راجحة يا أم بلال وانت تجودين بفلذة الاكباد وزينة الاولاد، هكذا قالت جارتهم وهي تبكي بكاءً مريراً فيه طعم الفجيعة.
مما صبغ المشهد الحزين بصبغة الشجن الدافئ الخفي والجلي في آن....
(2) وفاء نخلة
كان عبدالرحمن يتحرق شوقاً لموسم جني التمر لكي يتولى بنفسه جني التمر الذهبي لنخلته الغالية.
ويالها مِن نخلة برحية فارعة الطول، اتخذت الطيور من سعفها أسرّة آسرة بخضرتها وظلها الظليل..
عبدالرحمن حبيب العائلة كان يتولى هو سقيها والعناية بها..
في احداث الفلوجة، الاخيرة، بقي عبدالرحمن الشاب ذو الربيع الحادي والعشرين في البيت، بعد ان رحلتْ الأسْرة الى بغداد.. بقي يحرس البيت ويعنى بحبيبته فارعة الطول بارعة الحسن: النخلة.
وكم كان خائفاً عليها من قذيفة طائشة.. وبعد عودة الاسرة من بغداد، وجدوا البيت على ما هو عليه، ولكنْ.. لم يجدوا حبيب الاسرة عبدالرحمن ولم يعرفوا عنه شيئاً، اما حبيبته النخلة فقد وجدوها فاقدةً راسَها …
ويلاه عليك يا عبدالرحمن وويلاه على نخلتك وراسها المتدحرج الى جانبها وشَعْرها الاخضر المتهدل بفوضى واضحة..
وقف قاسم والد عبد الرحمن قبالة البرحية الشهيدة، جلس قاسم واستغرق في نعي وبكاء يفل حتى الصخر.. وهو يقول: لا شك ان نخلتك يا ولدي يا عبدالرحمن قد بكتك بكاءً جليلاً جميلاً، بل تمنّتْ أن تلحق بكَ، بل طلبت ذلك من الله، فكان لها ما تمنّتْ، ومثلما حظيتَ انت بالشهادة التي طالما تمنّيتها!!.
(3) بلسم بحجم الجرح
سعد.. رجل طموح وغيور ومتفائل... اندفع بمعية ولده الصغير مصطفى وصهره الودود قاسم، ليأتي بعائلته من المحمودية التي تعاني من وضع صعب هناك...
وفي الطريق صوّب سائق (هَمَر) سلاحه نحوهم فأردى قاسم ومصطفى شهيدين فيما كتب الله السلامة لسعد عدا الجروح التي طرزتْ جسده المختلِج ألَماً..
وبعد عشرة ايام عاد سعد ولكن..
عاد لوحده من دون الحبيبين الغاليين اللذين صحبهما في رحلته المحفوفة بالمخاطر..
أم قاسم بكت ولدها بكاءً مريراً..
يا الهي مِن اين لها كل هذه القدرة على البكاء؟!
كانت تدور في ارضية الهول كأنها في غيبوبة ثم تعاود ذلك البكاء الجميل..
أمّا أم مصطفى فقد بكت مصطفاها بكاءً عجيباً..وكانت في الليل تطرز مناديل الاحزان بالدموع..
بعد مدة رُزقتْ أم مصطفى وزوجها بولد بهيّ الطلعة بشوش المحيّا مَلائكيّ المناغاة.. اصروا على أن يُسمّوه مصطفى تيمناً بالمصطفى (صلى الله عليه وسلم) واستذكاراً لقمرهم الآفل وتخلقاً بقوله تعالى :((انه لا ييأس من روح الله الاّ القوم الكافرون))
عاد طير السعد ليحطّ على بيتك يا سعد.. يا من نحبه لطموحه وتفاؤله وغيرته المحمودة التي دفعته الى المحمودية، فكان ما كان!...