أدب المقاومة ...ومقاومة الأدب   عدد القراء : 1312   . حرصاً منا على عدم قطف ثمار الآخرين او سرقة جهدهم وافكارهم وانطلاقاً من مبدأ لا يعرف الفضل لاهل الفضل الا ذووه نعرض اليوم مقالا نشر في مجلة الكاتب العربي التي تصدر عن الاتحاد العام للادباء والكتاب العرب، السنة 22 العدد 68/67 لسنة 2005 بعنوان المقاومة والادب بقلم رئيس تحرير المجلة الدكتور علي عقلة عرسان لما تضمنه من اسس وثوابت نحن (العراقييين) اقرب الناس اليها من خلال تعرض بلادنا للاحتلال المباشر. كانت على مدى العامين الماضيين تدور نقاشات وتعقد جلسات من اجل الوصول الى اهمية الادب في بث روح المقاومة ضد المحتلين وهل يمكن ان يلعب الادب دوراً مهماً في هذه المرحلة؟ أم هل سيقتصر الادب على وصف المشاعر الانسانية ووصف حالات الحب والاشتياق واللوعة؟

البصائر / متابعة ثقافية..
ونحن هنا في صفحة مرافئ الابداع في جريدة البصائر اذ نعرض هذا المقال لقرائنا نحاول محاولة جادة في توضيح المعالم  الاساسية للادب المقاوم في ظل الاحتلال البغيض ونبدأ من تعريفه اذ يقول:
الحياة مقاومة للموت ولكل ما يشكل موتاً في الحياة المستمرة من فساد وانحلال وضمور في القيم والضمائر والمسؤوليات.
فالحياة مقاومة مستمرة والفكر والادب في بعض الاوقات والحالات نسغ تلك المقاومة الذي يسري في شعاب القلب والروح ليبعث الحيوية ويجدد الحياة والادب روح تمرد وامتداد مقاومة من ضفة الثورة على الجمود والتخلف والظلم والقهر الى ضفة الاستشهاد تمرد واستشهاد من اجل العقيدة والهوية والحرية والكرامة والعيش في ظل امن من الجوع والخوف.
ولو تلمسنا الادب الرفيع والابداع الذي يستحق اسمه معالم الاهداف والمعاني والدلالات لما وجدنا الا مواقع القيم ومقوماتها مما يسترعي الاهتمام ويشكل خريطة وحين نحصر مفهوم المقاومة ونضيق دلالتها لتتخذ في كفاح ارادة فردية او جماعية.. وطنية او غير ذلك بكل الاسلحة والادوات والوسائل المتاحة ضد الاستعمار والاحتلال والعدوان والقهر والاذلال والاستلاب والسُّلط الجائرة والاستغلال والممارسات المغلوطة لكثير من المفاهيم او المتاجرة بها، والاساءات لحقوق الانسان وحرياته الاساسية او تحويلها الى سلعة سياسية، فاننا نجد حضور الادب طاغياً وموقعه متقدما ودوره رائداً سواء أكان ذلك في ايجاد الوعي بالحالة وتطوير ذلك الوعي الى مواجهة واعية لاهدافها ووسائلها واساليبها.
واذا كانت المقاومة شرف الحياة ودليل حيويتها وتجدد الافق المعرفي فيها فان الادب الرفيع الذي يعزز موقع المقاومة وينمو في بيئتها ويتغذى من نسغها يشكل اكليل غار على مفرق هامة الابداع الحق المنتمي لامة قضية عادلة ومبادئ سامية.
الكلمة مسؤولية وموقف وأمر واضح بموقف جريء وصريح. اقرأ ليست غاية.. اقرأ بداية ووسيلة على طريق الغاية.
وعناق المقاومة والادب ليس عرضياً في الحياة فهو موجود في كل تجليات المقاومة والابداع والحياة، وليس حادثاً فيها بل يكاد يشكل تليدها وتطلعها ودليل وجودها الاساس.
واذا تلمسنا معارك الامم في الادب وجدنا طوفاناً من ذلك الانتاج المعبر عن تلك المعارك يكاد يطغى على كل ما عداه.
فالادب على نحو ما هو سجل المقاومة ابتداء من تمرد قلب وروح ومشاعر وتطلعات داخل القلب والروح على نمط وقالب وتقليد ورؤية وانموذج، وانتهاء بثورات الامم وكفاحها ضد الاحتلال والعنصرية والاستعمار والاستغلال وانواع الظلم.
واذا كان الادب العربي في القرن العشرين على الخصوص يرتبط ارتباطاً عضوياً بكل معاني المقاومة والكفاح من اجل التقدم والتحرر والتفتح والانفتاح الواعي لذاته واهدافه وللآخر وضروراته، فانه سجل الامة البهي في صراعها  ضد الاستعمار وانتصاراتها في معارك الاستقلال، وفي كفاحها المستمر من اجل تحرير الارض والارادة والقرار، ومجتلى التعبير عن الذات القومية باصالة وعمق ووعي تاريخي وحضاري شامل.
وحين تطرح علينا اسئلة من واقع تجليات المقاومة وواقع الادب، وتسح عن جنبات موقعنا اسئلة اخرى تتصل بجدوى الكلام عن مقاومة وادب مقاوم ومقاومة في الادب، في ظل المتغيرات العربية والدولية وسيطرة القطب الامريكي على العالم، وزحف العولمة على الهوية والسيادة الوطنية وتدافع الدول العربية وما كان يشكل طلائع مقاومة للعدو الصهيوني من اجل تحرير فلسطين، تدافع اولئك على طريق الاعتراف بالعدو الصهيوني وتطبيع العلاقات معه، وتقديم القدس بكل تأريخها ومعانيها ودلالاتها عاصمة له كي يرضى ويطمئن ويفسح لنا في المجال لكي نحقق تقدماً وتطويراً يتوقف عليهما وجودنا وحل ابسط ازماننا كما يقال ويقول المروجون له؟! ومن حقنا ان ندهش ولكن علينا الا نتنكر لتلك الاسئلة، او نتجاهل وجود سائليها، فلقد قيض لنا من جسدنا قوة تفتك بنا وتجاهل ذلك لا يَجُب وجود الداء ولا ضرورة البحث عن اجوبة شافية ربما كانت هي الدواء، ومن تلك الاسئلة:
هل العصر عصر مقاومة، وأدب مقاوم؟؟!
يقول الدكتور علي عقلة عرسان:
نعم.... انه عصر المقاومة بامتياز وعصر الادب الذي يوقظ امة منهارة روح المقاومة بالبيان والمنطق والوعي وتقديم الانموذج واستلهام التضحيات والبطولات ليتسامى الادب ويساهم في ترسيخ وتقديم ورفع انموذج افضل وارفع واقوم امام الاجيال ولا يوجد عصر بلا مقاومة ولا امة من دون حاجة متجددة للمقاومة، ونحن امة مبتلاة اليوم بكثرة من يروج مقولات الاعداء و لايرى او لا يريد ان يرى ما يقوم به العدو الصهيوني يومياً من جرائم تمر من دون عقاب وتدفعه لارتكاب المزيد من الجرائم ما دام الدم العربي لا يكلف شيئاً على الارض ولا يريد ان يرى صلف الامريكي وعدوانه ودعمه المطلق للعدوان الصهيوني.
والامم تقف على اعتاب مبدعيها ومفكريها وقادتها الروحيين والميدانيين وحينما تعصف بها الحوادث وتغشاها الخطوب، وتأخذها دوامات السياسة وتصاب باضطراب الرؤية او باضطراب الروح.
والامم حين يفسد فيها معيار القيمة وقيم الحياة ويضح في دروبها ما يجعل سيرها تخبطاً في طين زلق وفكر معوق لزج وهجين ومشوش تحتاج الى اجنحة الشعر، وارادة الفكر، وسحر النقر، وشرف الكلمة، ونقاء الشهادة لتتجاوز المفاوز الخطرة والقتالة من دروبها.. وربما كان اخطر ما تواجهه في هذه الحالة فساد الكلمة وفساد رؤية اهلها.
فالادباء حين لا يضلون ولا يضللون يكونون قناديل السائرين في الظلام والمفكرون هم بصائر الايام للانام. والشعب يحتاج الى قناديله وبصائره ليصب طاقته في تيار خلاص حقيقي وفق رؤية صحيحة وكشافة.
ان الضخ الاعلامي والثقافي المعادي يريد ان يقنعنا بنهاية الادب المقاوم، بل بموت كل ما كتبناه من ادب على طريق المقاومة وقضية فلسطين والصراع العربي الصهيوني، ودروب التحرير ويريد ان يقنعنا بنهاية التاريخ او بنهاية هذا النوع من التاريخ لانه بفعل ما يوحى اليه يريد ان يقدم مقاومتنا فعلاً ضاراً على نحو ما بمصالح الشعب الفلسطيني والعراقي والامة العربية كلها متناسياً منارة المقاومة الوطنية والاسلامية في لبنان التي قادت الى التحرير وصنعته.
ومعنى هذه الدعوة ان يتخلى الادب عن كل ما يتصل بالاستقلال والحرية والهوية.. وعن مجد المقاومة واهميتها وضرورتها وعما انجزته وما يمكن ان ننجزه في تاريخ الشعوب، ومعناه مسح كل ما تراكم في الذاكرة والوجدان العربيين من وقائع وحقائق تتصل بذلك وبالعمل على اعادة تشكيل الذاكرة والوجدان العربيين وملئها بمعطيات الواقع الحالي الذي فيه الكيان الصهيوني قوة قاهرة ستبقى مسيطرة مع حليفها الامريكي على الاوضاع الى الابد!؟
ونحن مطالبون من مواقعنا وواقع اختياراتنا ومسؤوليتنا التاريخية والخلقية بالرد على هذه الافكار والآراء التي تتناقض كلياً مع واقع الحياة ومنطقها الذي يحمل التغيير ويقوم به.
ثقافة أصحاب الشرق الأوسط الكبير
ان ما يسمونه (ثقافة السلام) وثقافة اصحاب الشرق الاوسط الكبير، هو القبول بنتائج العدوان والقهر والذل والقوة الباغية، وتحويل ذلك الى نهج تربوي وتثقيفي وابداعي يؤدي الى تخريب القيم وتدمير الارادة وترسيخ  الاحتلال وازالة كل العوامل التي من شأنها انعاش الذاكرة والوجدان العربيين وربطهما بقضية عادلة تحتاج الى جهد وجهاد وتضحية من اجل انصاف اهلها وحسمها لمصلحة الامة والحق والعدل.
ان من يشن علينا الحرب في ديارنا، ويغتصب ارضنا ومقدساتنا وينتهك حرماتنا ويكون اجياله ويربيهم تربية عنصرية عدوانية لتنفيذ مشروع هو النقيض لكل مشروع يحقق نهضة وتقدماً لنا.
العنصرية شر والادب ضد الشر.. وحين يصبح الحق هو ما تفرضه القوة، ويصبح الموت هو نصيب الحق الذي لا يملك القوة ويصبح احتلال فلسطين والعراق مشروعاً.
الادب هنا مسؤول عن الامة بمقدار ما هو مسؤول عن العدل والحرية، ومسؤول عن القومي بمقدار ما هو مسؤول عن الانسان والحقاني، ومسؤول عن المقاومة ودعمها واستمرارها وتمجيد بطولاتها واستلهام تضحياتها بمقدار ما هو مسؤول عن شرف الكلمة.
والادب الذي تغرق امته في مستنقعات الضعف والانحلال والقهر والممارسات الطغيانية، وتتحول جماهيره الى حالة من القطعانية في ظل استشراء العدوان والحصار والقتل والغزو الثقافي والتخريب الشامل للهوية ومقوماتها وللقيم الدينية السليمة وللقيم الخلقية الرفيعة ومعاييرها مطالب بموقف ورؤية وصوت، ومطالب بدخول معترك المقاومة لوضع حد للانهيار والتهافت من جهة ولاستنهاض الامة ووضعها في طريق الوعي والمسؤولية والحيوية التي تمكنها من مقاومة الفتك بكيانها وارادتها واجيالها وهويتها وتراثها. تمهيداً لنهوض فكري وعلمي وروحي ومعرفي يجعلها تستعيد وعياً وارادة، وتستأنف البناء على ارضية المعرفة والاصالة والمقاومة من اجل درء العدوان وتحقيق الذات والنهضة والتحرير.
ان تطلعاً ايجابياً منقذاً ليس كثيراً على الامة العربية ذات التاريخ المجيد، وليس عزيزاً على ادبائها ومفكريها ومناضليها وحملة سلاح الكلمة من ابنائها الذين اجدهم اهلاً ليكونوا حصن الصلابة الوطنية والقومية والروحية، ان يكونوا حشد المقاومة ومن يحشد لها ويرفع رايتها ويستلهم بطولاتها ويبدع في ظلال معاركها وانتصاراتها اونكساتها. وانه آن الاوان لصحوة تضع الادب في خندق المقاومة والاصالة من جديد وتزرع المقاومة في قلب الابداع لينهض بالامة والوعي والارادة من جديد.
الكلمة شرف والكلمة مسؤولية والكلمة موقف.. والكلمة اختيار واع لمنتمين مدركين تماماً لمسؤولياتهم وواجباتهم وقدراتهم على التأثير والتغيير.
فهل كثير علينا ان نتطلع الى مقاومة وادب في خندق واحد مقاتل من اجل الحرية والتحرير وحياة اجتماعية وثقافية وسياسية عربية تليق بالانسان وبتاريخ امة عربية واسلامية لهما مالهما في سجل الحضارة الخالد، وبعقيدة عز بها العرب كانت وما زالت مصدر اشعاع حضاري وعدالة وسمو تحتاج اليه البشرية ويجسده الاسلام ؟!
انه السؤال المطروح؟!..