معارك جهادية في رمضان   عدد القراء : 3473   .

شهر رمضان شهر انزل فيه القرآن، شهر الطاعة والايمان شهر فيه ليلة هي خيرمن الف شهر عبادة تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام هي حتى مطلع الفجر، شهر تصفد فيه الشياطين، شهر ينتظره المسلمون لستة اشهر، ويودعونه كما الصديق العزيز لستة أشهر اخرى، وهذه سنة كاملة تدور ورحى قطبها رمضان، شهر هو ركن من خمسة اركان بني عليها الاسلام، فاختص الله صيامه لنصل الى تقوى الله، واحتسبه من دون باقي الطاعات خالصاً له وحده، وتكفل بجزائه هو وحده، شهر أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، واخره عتق من النار.
ورمضان كل هذا وغيره كثير، ولكن لرمضان في التأريخ الاسلامي خاصة شأن اخر غير شأنه هذا الذي تحدثنا به عنه، وان كان يماثله تماماً، بل ويتفرغ منه، فهو شهر الجهاد، شهر الرباط، شهر الثبات انتصر فيه المسلمون في معركة بدر الكبرى على اعداء الله واعدائهم، غزوة يوم الفرقان (يوم الفرقان يوم التقى الجمعان) تلك الغزوة التي خلدت كاملة بسورة الانفال من دون الكثير من غزوات ومعارك المسلمين اللاحقة في تأريخ الامة المديد، ثم بدعاء الرسول صلى الله عليه وسلم لربه وهو يدعوه خاشعاً متضرعاً متوسلاً بيديه الكريمتين مدفوعتين الى السماء حتى بان منهما بياض ابطيه (اللهم ان تهلك هذه العصابة فلن تعبد على وجه الارض) وما اعظمها من كلمة وما اصدقها من كلمة وما ادقها من كلمة حق قيلت بحق هذا الدين القويم من رسول كريم ((وما ينطق عن الهوى ان هو الا وحي يوحى)) فلولا الاسلام ما كان الله ليعبد العبادة الحق، العبادة التي تليق بوحدانيته وألوهيته. وربوبيته وعظمته، وسعة خلقه وعزته، وقدرنه، وأسمائه الحسنى، وتنزهه عن تلك التقولات، والاباطيل التي تجدها بارزة هنا او هناك في غيره من الاديان والافكار والرؤى،والشطحات.. لولا الاسلام، ما كان الله ليعبد العبادةالحق، وهو الواحد الاحد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً احد وهو ((فلله الحمد رب السموات ورب الارض رب العالمين، وله الكبرياء في السموات والارض وهو العزيز الحكيم)) ذلك هو الله في الاسلام وكما يليق بوحدانيته، وعظمته، وسعة ملكه، وشتان بين هذا الجلال الذي هو عليه في الاسلام، وبين تلك الصور الباهتة عنه في غيره من (الديانات) والافكار والرؤى والشطحات والتي دبرت في ليل اسود، عانت وما زالت تعاني الانسانية منها كثيراً.
تلك هي غزوة بدر الكبرى، وذلك هو رمضان في تأريخ الاسلام وقد شق اولى خطواته في سن الجهاد في سبيل الله، ولو قلبنا اوراق التأريخ ثانية لشهدنا المسلمين وهم ينتصرون في غزوات ومعارك الجهاد الانتصار تلو الانتصار في ذلك الشهر المبارك.. معارك وغزوات خاضها المسلمون في هذا الشهر الكريم فانتصروا في معظمها ان لم يكن في جميعها غزوة بدر الكبرى وكما اسلفنا (ومعركة) فتح مكة، ومعركة عين جالوت وصفحات كثيرة من معركة اليرموك الخالدة وصفحات مثلها في معركة القادسية وعشرات المعارك والغزوات التي انتصر فيها المسلمون على اعداء الله في هذا الشهر المبارك في طول الارض وعرضها.
لقد ملأت كتب المؤرخين، وعلى مر التأريخ بوقائع، وحقائق تلك المعارك، وما أظنني سأئتي بجديد ان دلوت بدلوي انا الاخر بشأن تلك المعارك الخالدة في ذاكرة الامة، ولكنني سأتحدث قليلاً عن معركة باسلة خاضها العرب المسلمون في تأريخهم الحديث في هذا الشهر المبارك، تلك هي معركة تشرين سنة 1973 او معركة رمضان مثلما أطلق عليها في ادبيات اسلامية على الجبهتين المصرية والسورية التي خاضها الجيشان المصري والسوري، ثم لاحقاً الجيش العراقي الباسل، وبكل ثقله، وقطعات محددة من بعض الجيوش العربية ومنظمات الشعب الفلسطينية (الفدائيون الفلسطينيون)، ضد جيوش وقوى اليهودية العالمية والاقليمية ومن ورائها كل قوى الشر العالمي، فانتصروا فيها انتصاراً باهراً سر الاصدقاء واغاض الاعداء، واعاد للعرب والمسلمين هيبتهم ومكانتهم التي افتقدوها في معارك سابقة، او على الاصح افقدتهم اياها زعامات وحكومات لم تقرأ جيداً كتاب الله ((واعداوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف اليكم وانتم لا تظلمون))، فكان ما كان من الهزائم والنكبات التي منيت بها الامة في تأريخها الحديث.
في تلك المعركة هدرت جيوش العرب والمسلمين بـ(الله اكبر) وشحذوا سواعد الجد، وبهمة الرجال الغيارى على دينهم واوطانهم سقطت حصون العدو سقوطاً مريعاً تحت اقدام جيوش العرب والمسلمين.. سقط خط بارليف على الجبهة المصرية، ذلك الخط الذي اقامه الاعداء قبالة الضفة الغربية لقناة السويس والذي ملأوا الدنيا عن مناعته، وقوة دفاعاته، وقابليته الكبيرة على الصمودفي وجه الجيش المصري؛ ملأوها ضجيجاً وصراخاً وصخباً، حتى لقد صرح مرة أحد جنرلاتهم وهو يشيد بذلك الخط (اذا عبر المصريون القناة،فسينتحرون جميعاً قبالة خط بارليف) ولكن بالتوكل على الله، وبهمة الرجال، وبصيحات الله اكبر سقط الخط كاملاً وفي ساعات معدودة، بل خاض الجيش العربي المصري بطولات فردية قل نظير لها في جيوش العالم.
فقبل ساعات من بدء المعركة مثلاً تمكن جنود (الضفادع البشرية) من تعطيل وسد فوهات النابالم، تلك الفوهات التي كانت ستجعل من قناة السويس جدولاً من نار، لا يمكن اطفاؤها ناهيك عن عبورها، ومارس المصريون جميعاً حكومة وجيشاً وشعباً خطة تمويه بارعة على المعركة ففوتوا فرصة اكتشافها من قبل العدو. رغم كل تلك الهالة من الذكاء والخبرة الاستخبارية التي يصف بها اليهود مؤسساتهم الاستخبارية وابتكر مهندس مصري شاب اسلوباً قتالياً (قاذفات الماء) لم يسبقه به احد في فتح ثغرات كبيرة في الخط لزحف الدبابات، وشارك الطيارون العراقيون (25 طائرة مقاتلة) في الطلعات الاولى من الحرب، وكانت اصاباتهم كبيرة وفعالة في دك وقصف مقرات العدو العسكرية، وبعض بنيته التحتية.
وفي الجبهة السورية حرر الجيش السوري مرتفعات الجولان تحريرا كاملاً في بداية المعركة، وزحفت الدبابات العراقية على سرفاتها والالف كم وصولاً الى جبهات القتال، واشتبكت مباشرة بالدرع الصهيوني واوقفت زحفه باتجاه دمشق العاصمة السورية، حتى استحق الجيش العراقي ذلك الوسام الذي خاطب به الرئيس السوري آنذاك الجيش العراقي (لقد حميتم شرف دمشق من السقوط).
وفي اليوم التالي من بدء المعركة حطم الجنود المصريون المشاة الدرع الصهيوني تحطيماً مروعاً، ذلك الدرع والدبابات التي تبجح بها العدو كثيراً في كسب المعارك اما كتائب الصواريخ المضادة للطائرات المصرية والسورية فقد جعلت من اسطورة القوة الجوية الصهيونية اضحوكة في سماوات المعارك تلك هي معركة رمضان المباركة التي كانت ستؤتي أكلها كاملاً في تحرير الارض والعرض، والقدس السليب ولا تكتفي ببعض ما انجزته في تحرير قناة السويس وصحراء سيناء لولا بعض اوهام وتصورات ركبت رؤوس زعامات ذلك الزمان.
ولكن- ورغم محدودية النتائج التي تحققت من تلك المعركة الباسلة التي خاضها العرب المسلمون- تبقى معركة رمضان او تشرين 73 مفخرة للجندي العربي المسلم، واعادة تقييم شاملة من العالم لبطولته وشجاعته، وشدة بأسه بعيداً عن تلك (الصورة الكاذبة) التي رسمتها له ابواق الدعاية الصهيونية في وسائل الاعلام العالمية.
ذلك رمضان في الاسلام، ورمضان في التأريخ، وهذا رمضان مبارك في عراق الجهاد، ونحن نخوض معركة باسلة ضد قوى الكفر والطغيان والردة ونحن نخوض معركة الايمان ضد الكفر كله، معركة الامة كلها ضد قوى الاستكبار مجتمعة ومتآزرة، وقد لا أغالي ان قلت معركة الانسانية كلها ضد الهمجية كلها.. واليك ربنا رب السموات والارض نرفع أكف الضراعة ان تنصرنا في شهرنا هذا على القوم الكافرين مثلما نصرت عبادك الميامين في تأريخ الامة المديد، فلا نصر الا من عند الله العزيز الحكيم.