الإعلام بين الحرية والرقابة   عدد القراء : 2007   . إن مفهوم الحرية في الإعلام الإسلامي مستمد من نظرة الإسلام إلى الحرية فقد احترم الإسلام حرية التعبير واقرها وحث عليها وهي ليست وليدة الفكر الإنساني، كما انها ليست ثمرة من ثمرات نضال الافراد والجماعات ضد الطغاة والمستبدين وانما هي سمة بارزة من سمات الشريعة الإسلامية وهي حق شرعي اصيل تدعمه النصوص الشرعية، فقد جعل النبي (صلى الله عليه وسلم) من شروط المواطنة الحقة للمسلم وانضمامه إلى الرعية الإسلامية قول الحق والمجاهرة به سعيا لاحقاقه في المجتمع، فعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال (بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وعلى اثرة علينا والا ننازع الامر أهله الا ان تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان، وعلى ان نقول الحق اينما كان ولا نخاف في الله لومة لائم) متفق عليه.
كما اعتبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك المسلم الادلاء برأيه، فيما يرى انه الحق، أمرا محتقرا، فقد روي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) انه قال: (لا يحقرن احدكم نفسه، قالوا: يا رسول الله، وكيف يحقر أحدنا نفسه، قال يرى ان عليه مقالا ثم لا يقول به، فيقول الله عز وجل يوم القيامة، ما منعك ان تقول في كذا وكذا، فيقول: خشيت الناس، فيقول فاياي كنت احق ان تخشى) رواه ابن ماجة، وعن ابي ذر رضي الله عنه قال: اوصاني خليلي (صلى الله عليه وسلم) بخصال من الخير، اوصاني ان لا اخاف في الله لومة لائم، واوصاني ان اقول الحق وان كان مرا، رواه ابن حبان.
وقد اكد النبي (صلى الله عليه وسلم) على الحرية الإعلامية حتى في مقابلة السلطة وعدها جهادا بل من افضل مراتبه، كقوله عليه الصلاة والسلام (افضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر) رواه ابن ماجة (صحيح الجامع 1100) بل هي شهادة في سبيل الله لقوله صلى الله عليه وسلم (افضل الشهداء عند الله عز وجل رجل قام إلى والٍ جائر فأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر فقتله) رواه البزار.
وقد اثبتت الوقائع التأريخية ممارسة الحرية الإعلامية في زمن الخلافة الإسلامية فالإعلام الإسلامي حر بشرط الا يؤدي سوء استخدامه والتعسف في تطبيق الحرية إلى غمط الحق أو إيذاء النفس أو الآخرين أو الاعتداء على الحريات الفردية والاجتماعية او التجاوز على الشريعة.
فالإسلام يملي على نظامه الإعلامي تجنب الحرية الفوضوية الشائعة في الإعلام الغربي والعربي المقلد له الذي يطفح بالعورات ويمتلئ على اتساع جنباته بالفضائح المشينة والثرثرة الفارغة والشائعات التبجحية وايراد الالفاظ النابية والعبارات البذيئة مع الجرأة على مخالفة الآداب والقيم.
وحتى يحافظ الإسلام على حرية اعلامه قرنها بالمسؤولية، فالإعلامي الإسلامي مسؤول ومسؤوليته مشتقة من سيادته التي أورثها الله له منذ ان جعله خليفته في الأرض، وهذه المسؤولية تقوم على اسس فردية واجتماعية وقضائية:
فالاساس الفردي: ان يراقب المرء نفسه ويحاسبها ولديه الوازع الديني، فالإعلامي يتقي الله في ممارسة الحرية القول والتعبير وتتعاظم هذه المسؤولية ان ادركنا ان كلمة الإعلامي تصل إلى الآف الناس بل الملايين، (وما يلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد) ((ويعلم سركم وجهركم....)) الآية وقول النبي صلى الله عليه وسلم (ان الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسا، يهوي بها سبعين خريفا في النار) رواه الترمذي (صحيح الجامع 1618).
ان الإعلامي المسلم رقيب على نفسه فيما يقول وما يكتب وهذا يعني ان النظام الإعلامي سبق إلى الرقابة الذاتية قبل ان ينادي بها منظرو المسؤولية الاجتماعية في الإعلام الغربي.
على ان الرقابة مثلما تحول بين الإعلامي وبين نشر ما لا تقره الشريعة كذلك تدفعه إلى نشر ما ينبغي نشره فعن امير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه قال لا احدثكم حديثا لولا آية ما حدثتكموه سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لا يتوضأ رجل يحسن الوضوء ويصلي الصلاة الا غفر له ما بينه وبين الصلاة حتى يصليها) رواه البخاري، قال عروة: الآية ((ان الذين يكتمون ما انزلنا من البنيات والهدى من بعد ما بيناه للناس....) الآية.
ويقول ابن حجر في الفتح (وانما كان عثمان يرى ترك تبليغهم ذلك خشية عليهم من الاغترار).
والاساس الاجتماعي: ان رقابة المجتمع تحول دون الإعلامي، والانحراف في عمله من... تداول وترويج الرذائل وغيرها، ان تأكيد الإسلام على الروابط الاجتماعية يعمق الشعور لدى الإعلامي في احترام عقائد واخلاقيات المجتمع الذي يعيش فيه.
والاساس القضائي: ان احترام الإعلامي لا يعني بالضرورة اعطاءه حصانة ما يريد ويتكلم بما يشاء ولذا قرر الإسلام حق مساءلة الإعلاميين فيما يصدر عنهم (يراجع الرقابة في الإعلام الإسلامي وأصول الإعلام الإسلامي).
وقد ينزعج البعض من هذا الاساس ونقول ان هذا الاساس يمنع الإعلامي من ان يتخذ وظيفته سلما لأغراض اخرى لا تتعلق بشرف مهنته وهذا الأمر يملي على الإعلامي ان يلتزم جادة الحق والصدق ليجنب نفسه الوقوف امام القضاء الإسلامي، كما انه ليس معوقاً للعمل الإعلامي وانما هو ترشيد وتحصين له فما دام الإعلامي يعتمد الحق والصدق ومقصده البناء لا الهدم فلن تعيقه هذه الرقابة ما دام يراعي ضوابطها.
مما سبق نجد ان الإسلام عول اولا على الرقابة الذاتية النابعة من استشعار المسلم مراقبة الله تعالى له في كل ما يصدر عنه من قول أو رأي ويدرك انه مسؤول امام الله تعالى عما بدر منه مهما صغر او كبر، فاذا ضعفت النفس المطمئنة وتغلبت النفس الامارة بالسوء كان للمجتمع دوره في كبح ذلك، فان تجاوز الحدود واستغل المهنة الإعلامية تدخل القضاء ليحمي الآخرين والمجتمع والشعائر الإسلامية من ان تنتهك في حالة ضعف يمر بها الإعلامي او المؤسسة الإعلامية.
فمراعاة الضوابط الشرعية تعطي الإعلام الإسلامي استقلالية وحرية مجردة عن المداهنة والتحيز وتنزهه ان يكون اداة في يد السلطان للتحكم في الناس او التمويه عليهم او تسخيرهم و اللعب بعقولهم على نحو ما يحدث من داعايات في النظم السياسية الطغوائية التي تجعل من الإعلام اداة للضغط والقسر والالزام.