لمحات مضيئة من سيرة الصحابة (رضي الله عنهم)   عدد القراء : 1586   .

الشيخ صلاح علي الدليمي

الصحابي الجليل عمرو بن الجموح

بدأت أشعة الايمان تدخل بيوت يثرب بيتاً بيتاً على يد الداعية الجليل مصعب بن عمير (رضي الله عنه) فآمن على يديه ابناء عمرو بن الجموح الثلاثة معوذ ومعاذ وخلاد وآمنت معهم أمهم، وعمرو لا يعرف من أمر ايمانهم شيئاً.
وكان هو في الوقت نفسه يخشى على ابنائه ان يرتدوا عن دين آبائهم واجدادهم، وان يتبعوا هذا الداعية مصعب بن عمير فقال لزوجته: ياهند احذري ان يلتقي اولادك بهذا الرجل، يعني مصعب بن عمير) حتى نرى فيه رأينا.
فقالت: سمعاً وطاعة، ولكن هل لك ان تسمع مع ابنك معاذ ما يرويه عن هذا الرجل؟ فقال: ويحك، وهل صبأ معاذ عن دينه وانا لا اعلم، وحفظ شيئاً مما يقوله. فقال: ادعوه وقالت: كلا، ولكنه حضر بعض مجالس هذا الداعية، وحفظ شيئاً مما يقوله. فقال: ادعوه اليّ، فلما حضر بين يديه قال: أسمعني شيئاً مما يقوله هذا لرجل، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم ((الحمد لله رب العالمين* الرحمن الرحيم*  مالك يوم الدين* اياك نعبد واياك نستعين* اهدنا الصراط المستقيم* صراط الذين انعمت عليهم* غير المغضوب عليهم ولا الضالين)) فقال: ما أحسن هذا الكلام وما اجمله؟! او كل كلامه مثل هذا؟! فقال معاذ: وأحسن من هذا يا أبتاه، فهل لك ان تبايعه، فقومك جميعاً قد بايعوه... سكت الشيخ قليلاً ثم قال: لست فاعلاً حتى استشير (مناة) فانظر ما يقول. فقال له الفتى: وما عسى ان يقول (مناة) يا ابتاه، وهو خشب اصم لا يعقل ولا ينطق، فقال الشيخ في -حدة- قلت لك لا اقطع امراً دونه. فاستشار عمرو الصنم (مناة).
فلم يجب، فخرج ابناء عمرو في ليلة مع صديقهم معاذ بن جبل الى مناة، وحملوه من مكانه وذهبوا به الى حفرة ترمى بها الاقذار، وطرحوه هناك، وعادوا الى بيوتهم دون ان يعلم بهم احد، فلما اصبح عمرو ذهب الى صنمه لتحيته، فلم يجده، فاخذ يبحث عنه داخل البيت وخارجه، حتى وجده منكساً على رأسه في الحفرة، فغسله وطهره وطيبه واعاده الى مكانه وما زال الفتية يفعلون بالصنم مثل ذلك كل يوم، فلما ضاق بهم ذرعاً، راح اليه قبل منامه، واخذ سيفه فعلقه برأسه وقال له: يا مناة، اني والله ما اعلم من يصنع بك هذا الذي ترى، فان كان فيك خير فادفع الشر عن نفسك، وهذا السيف معك، ثم أوى الى فراشه.
فما ان استيقن الفتية من ان الشيخ قد غط في نومه حتى هبوا الى الصنم، فاخذوا السيف من عنقه وذهبوا به خارج المنزل، وربطوه الى كلب ميت بحبل. والقوه بهما في بئر لبني سلمة تسيل اليها الاقذار وتتجمع فيها.
فلما استيقظ الشيخ ولم يجد الصنم خرج يبحث عنه فوجده مكباً على وجهه في البئر، مقروناً الى كلب ميت، وقد اخذ منه السيف، فلم يخرجه هذه المرة من الحفرة، وانما تركه حيث ألقوه، وأنشأ يقول:
والله لو كنت إلهاً لم تكن       انت وكلب وسط بئر في قرن
ثم لبث ان دخل في دين الله.
تذوق عمرو بن الجموح من حلاوة الايمان، ما جعله يعض اصابع الندم على كل لحظة قضاها في الشرك، فاقبل على الدين الجديد بجسده وروحه، ووضع نفسه وماله وولده في طاعة الله ورسوله(صلى الله عليه وسلم).
وما هو الا قليل حتى كانت احد، فرأى عمرو بن الجموح ابناءه الثلاثة يتجهزون للقاء اعداء الله، ونظر اليهم غادين رائحين كأسد الغاب، وهم يتحرقون شوقاً الى نيل الشهادة والفوز بمرضاة الله، فأثار الموقف حميته، وعزم على ان يذهب معهم الى الجهاد تحت راية رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، لكن الفتية اتفقوا على منع ابيهم مما عزم عليه... فهو شيخ كبير طاعن في السن، وهو الى ذلك اعرج شديد العرج، وقد عذره الله عز وجل فيمن عذرهم.
فقالوا له: يا ابانا ان الله عذرك، فعلام تكلف نفسك ما أعفاك الله منه؟!. فغضب الشيخ من قولهم أشد الغضب وانطلق الى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يشكوهم فقال: يا نبي الله، ان ابنائي هؤلاء يريدون ان يحبسوني عن هذا الخير وهم يحتجون بأني أعرج ،(والله اني لارجو ان أطأ بعرجتي هذه الجنة) فقال الرسول (عليه الصلاة والسلام) لابنائه :(دعوه، لعل الله عز وجل يرزقه الشهادة...) فتركوه اذعاناً لامر رسول الله(صلى الله عليه وسلم).
وما ان حان وقت الخروج حتى ودع عمرو بن الجموح زوجته وداع مفارق لا يعود، ثم اتجه الى القبلة ورفع كفيه الى السماء وقال: اللهم ارزقني الشهادة ولا تردني الى اهلي خائباً ثم انطلق يحيط به ابناؤه الثلاثة، ولما حمي وطيس المعركة، وتفرق الناس عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) شوهد عمرو بن الجموح يذهب في الرعيل الاول، ويثب على رجله الصحيحة وثباً وهو يقول: اني لمشتاق الى الجنة، اني لمشتاق الى الجنة... وكان وراءه ابنه خلاد.
وما زال الشيخ وفتاه يدافعان عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حتى سقطا صريعين شهيدين على ارض المعركة، ليس بين الابن وابيه الا لحظات.
وما ان وضعت الحرب اوزارها حتى قام رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الى شهداء أحد ليواريهم التراب، فقال لأصحابه :(خلوهم بدمائهم وجراحهم، فانا الشهيد عليهم)، ثم قال :( ما من مسلم يكلم (اي يجرح) في سبيل الله، الا جاء يوم القيامة يسيل دماً، اللون كلون الزعفران، والريح كريح المسك)، ثم قال :(ادفنوا عمرو بن الجموح مع عبدالله بن عمرو، فقد كانا متحابين متصافيين في الدنيا).
رضي الله عن عمرو بن الجموح واصحابه من شهداء أحد، ونور لهم في قبورهم.