| فقه السياسة الشرعيةفي ضوء الكتاب والسنة   عدد القراء : 3592   . الشيخ ضياء الدين عبدالله محمد الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الامين محمد وعلى آله وصحبه اجمعين والتابعين لهم باحسان الى يوم الدين وبعد فإن الجهل بفقه السياسة الشرعية القائمة على الكتاب والسنة وعلى فهم سلف الامة قد اوقع المسلمين في خطر مستطير وفتنة كبيرة اودت بوحدة الجماعة ونخرت كيانها وفي ذلك يقول الامام ابن قيم الجوزية (رحمه الله تعالى) في بدائع الفوائد (وهذا موضع مزلة اقدام ومضلة افهام وهو مقام ضنك ومعترك صعب فرطت فيه طائفة فعطلوا الحدود وضيعوا الحقوق وجرأوا اهل الفجور على الفساد وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد ومحتاجة الى غيرها وسدوا على انفسهم طرقاً صحيحة من طرق معرفة الحق والتنفيذ له وعطلوها وافرطت فيه طائفة اخرى قابلت هذه الطائفة فسوغت من ذلك ما ينافي حكم الله ورسوله (صلى الله عليه وسلم) وكلتا الطائفتين أتيت من تقصيرها في معرفة ما بعث الله به رسوله (صلى الله عليه وسلم) وانزل به كتابه). وبسبب ذلك حصل الافراط والتفريط في فهم السياسة الشرعية فنجد من المسلمين من عزل نفسه عن واقع الامة وما تمر به من فتن ومحن فترك العمل الجماعي المنظم بحجة ان ذلك سياسة وانها بدعة وحصر الاسلام في زاوية ضيقة وعزل الدين عن الدولة والحياة وان الاسلام عنده جاء فقط لتنظيم العلاقة بين الانسان وربه ولا علاقة له بالحكم وسياسة الدنيا وكأن مهمة الرسول عليه الصلاة والسلام تنحصر فقط في التبليغ والتبشير والنذير وليس للدين علاقة بالحكم والتنفيذ وليس له اي تاثير في الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي للمجتمع، وهذا عين ما يدعيه العلمانيون. وفاتهم ان فصل الدين عن الدولة وعن الحياة ليس له وجود في الدين الاسلامي الحنيف بل وجد في المجتمعات الغربية حيث ان الصراع على اشده بين الكنيسة والعلم وبين الكنيسة والدولة فرفعوا شعار (اعطوا مالقيصر لقيصر ومالله لله). وقالوا ان الدين لله والوطن للجميع وفي حقيقة الامر ان الدين والوطن لله تعالى لا شريك له. وقد بلغ اهتمام المسلمين بالدولة والحكم ان بايعوا الخليفة قبل دفنهم للرسول صلى الله عليه وسلم وهذه القضية واضحة لا تحتاج الى دليل او برهان فالاجماع منعقد من كافة علماء سلفنا الصالح على وجوب اقامة دولة الاسلام والخلافة الراشدة والفوا في ذلك الكتب الكثيرة منها على سبيل المثال لا الحصر ((الاحكام السلطانية) و(السلوك في سياسة الملوك) و(تسهيل النظر وتعجيل الظفر) كلها للامام الماوردي (ت450هـ)و(الاحكام السلطانية) لابي يعلى الفراء (458هـ) وغياث الامم للجويني (ت 478هـ) و(السياسة الشرعية في اصلاح الراعي والرعية) لشيخ الاسلام ابن تيمية (728هـ) وكتاب الحسبة له أيضاً. و(الطرق الحكمية في السياسة الشرعية لابن قيم الجوزية (751هـ) و(تحرير الاحكام في تدبير اهل الاسلام) لابن جماعة (733هـ) و(تهذيب الرياسة وترتيب السياسة) للقلعي (630هـ) و(بدائع السلك في طباع الملك) لابي عبدالله الازرق (896هـ) والشهب اللامعة في السياسة النافعة لابي القاسم بن رضوان المالقي (783هـ) و(إكليل الكرامة في بيان مقاصد الامامة) لصديق حسن خان القنوجي (1307هـ) وغيرها من الكتب النافعة في هذا الباب. ولا ينكر ذلك من له ادنى فهم للكتاب والسنة واجماع الامة وبالمقابل هناك من اعطى السياسة حقاً فوق حقها فلا شغل لهم الا السياسة والاحداث الجارية وتحليل المؤامرات الامر الذي شغلهم عن تصحيح عقائدهم وعقائد الناس واصلاح. عبادتهم وتعليمهم وتربيتهم فضيعوا الاوقات والعباد ودب اليأس في الاصلاح وفي هؤلاء يقول الاستاذ سيد قطب رحمه الله تعالى في كتابه (لماذا اعدموني ص70) (لي فقط توجيه عام لكل الحركات الاسلامية وهو ان لا تستغرقهم الاحداث الجارية وان لا ينغمسوا فيها وفي المناورات الحزبية والسياسية فان لهم حقلاً اخر اوسع وابعد مدى وان كان بطيئاً وطويل الامد وهو حقل البعث الاسلامي للعقيدة وللقيم وللاخلاق وللتقاليد الاسلامية في صلب المجتمعات حتى يأذن الله بالجهد الطويل والصبر بقيام النظام الاسلامي وانني الاحظ شدة انغماس (وذكر احدى الجماعات الاسلامية) ومنذ نشأة الجماعة بالاحداث السياسية وقلة التفرغ للتربية). والمخرج من هذا وذاك الفكر هو بدراسة فقه السياسة الشرعية في ضوء الكتاب والسنة واقوال سلف الامة. فلنتعرف اولاً على مفهوم مصطلح السياسة الشرعية. مفهوم السياسة الشرعية السياسة لغة هي (تدبير الامور والقيام باصلاحها يقال ساس الامر بسياسة اي قام به) قاموس المصطلحات السياسية ص267 وفي الحديث الذي رواه الامام البخاري ومسلم (كانت بنو اسرائيل تسوسهم الانبياء) اي تتولى امورهم كما يفعل الامراء والولاة بالرعية واما السياسة في الاصطلاح فلها تعريفات عديدة مختلفة منها (هي تدبير امور الدولة) ومنها (هي علم أو فن حكم الدول وقيل غير ذلك) انظر قاموس المصطلحات السياسية ص267. وقولهم ان السياسة علم وفن فهي علم لما لها من مبادئ وقوانين خاصة تشكل في مجموعها (علم السياسة). وفن لانها تستلزم براعة معينة تكتسب بالتجربة وبمعرفة قواعد ملموسة معينة فلا يمكن ان تنحصر في مجرد تطبيق القوانين النظرية، ولا في الممارسات التجريبية). الإسلام محور السياسة والسياسة في المنظور الشرعي: هي رعاية شؤون الامة في الداخل والخارج بما لا يخالف الشريعة الاسلامية. فهي لا تقتصر على ما نطق به الشرع الحيكم وانما يشترط ان لا تخالف نصوص القرآن والسنة واجماع الامة وقواعد الشريعة الاسلامية واصولها العامة. قال الامام ابن القيم رحمه الله تعالى في الطرق الحكمية وبدائع الفوائد (ومن قال لا سياسة الا ما نطق به الشرع فغلط وتغليط للصحابة وهذا موضوع فرطت فيه طائفة وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد محتاجة الى غيرها) ولقد جاء في نظام الرأي والفتوى والسياسة الشرعية لهيئة علماء المسلمين في العراق المادة 23 (السياسة هي الرعاية بالحفظ والاهتمام والنظر في اعقاب الامور وماتؤول اليه، والسياسة الشرعية هي رعاية شؤون الامة داخلياً وخارجياً بالاسلام وتكون من قبل الدولة متمثلة بالحكومة ومن قبل الامة متمثلة من الناس مواطني بلاد الاسلام فالدولة هي التي تباشر هذه الرعاية عملياً والامة هي التي تحاسب الدولة عن طريق اهل الحل والعقد اي عن طريق اهل العلم والدراية والخبرة). وجاء ايضاً في المادة 29 (الاسلام هو المحور الذي تدور حوله السياسة والسياسة الشرعية وعلى اساسه تبنى علاقة الهيئة بجميع الاطراف) وجاء في المادة 31 (تتبنى الهيئة ان السياسة الشرعية اعمال مقصودة يجب فيها التقيد بالاحكام الشرعية فلا يقام بفعل الا بعد معرفة حكمه). اذن لابد من سياسة شرعية واقعية ملائمة لزماننا شريطة ان لا تتعارض مع نص الشريعة او روحها فقد حذرنا الله تعالى من ذلك في سورة الاحزاب 36 ((ما كان لمؤمن ولا مؤمنة. اذا قضى الله ورسوله امراً ان يكون لهم الخيرة من امرهم)) وعليه فاننا نطالب بدستور ينص على ان اية قوانين لا تصبح سارية المفعول اذا وجدت انها تتناقض مع اي نص من نصوص الشريعة. الكتاب والسنة واما مصادر السياسية الشرعية في الاسلام فهي المصدر الاول القرآن الكريم والثاني السنة النبوية وتشمل حديثه وسيرته صلى الله عليه وسلم والثالث اجماع الامة لاسيما الصحابة (رضي الله عنهم) والخلفاء الراشدين والرابع الاجتهاد القائم على اصوله. واما سمات هذه السياسة الشرعية فهي. اولاً: انها نظام رباني اسسها وقواعدها ليست من وضع البشر بل من وضع خالقهم ((الا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير)) الملك 14. ((افحكم الجاهلية يبغون ومن احسن من الله حكماً لقوم يوقنون)) المائدة:50. ثانياً: انها نظام اخلاقي يقوم على الفضيلة واحترام حقوق الانسان. ثالثا: انها نظام عقائدي يقوم على اساس عقيدة التوحيد. رابعاً: انها نظام كامل شامل. خامساً: انها نظام العدالة والمساواة. سادساً: نظام عالمي صالح لكل زمان ومكان. واما اهداف هذه السياسة الشرعية الاسلامية فهي اهداف سامية اهمها: اولاً: اقامة الدين لله وتحقيق العبودية الخالصة لرب العالمين. ثانياً: اقامة العدل ودفع الظلم عن الناس. ثالثاً: اصلاح الدنيا وعمارة الارض والمتأمل لمقاصد قواعد النظام السياسي الاسلامي يجده يهدف الى ثلاثة مقاصد مهمة (درء المفاسد وجلب المصالح والحث على مكارم الاخلاق). واما قواعد هذا النظام السياسي فهي الشورى والطاعة والعدل والحرية. ولهذا يجب ان تكون سياستنا سياسة شرعية قائمة على اصول الكتاب والسنة وان نضع القوانين الملائمة لزماننا ومقتضيات واقعنا الحالي شريطة ان لانبيح لانفسنا سنّ قوانين تتعارض مع الشريعة أو مقاصدها، وذلك لتحقيق الغاية والهدف الأسمى وهو إقامة المجتمع المسلم لاعادة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة والله غالب على امره. وصلى الله تعالى على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. |