التصويت على مسودة الدستور الأمريكي   عدد القراء : 1057   . انها لمهمة شاقة وعسيرة باعتراف الجميع.. بدءاً من الرئيس جورج بوش ونائبه ديك تشيني ووزيرة الخارجية كوندوليزا رايس ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد إلى مدير البنك الدولي بول وولفويتز، مرورا، بالطبع، بقائد القوات العسكرية في العراق جورج كيسي، والسفير خليل زاد. ولانها مهمة عويصة، ولان أمريكا بلد ديمقراطي، منفتح على العالم، سياسيا واقتصاديا وعسكريا، لم تجد القيادة الأمريكية حرجا في طلب المساعدة من حكومات تعتبرها، اما ندا لها في سلم الديمقراطية، كما هو حال الحكومة البريطانية، او في مرتبة ادنى، وان لم ينعدم الامل في صعودها سلم الديمقراطية، كما هو حال الحكومة العراقية الانتقالية.ان كتابة الدستور في أي بلد كان، وفي أوضاع مستقرة سياسياً، مهمة ليست سهلة. فكيف اذا ما كان الدستور المكتوب أمريكيا في بلد بات محطة للارهاب العالمي حسب التصريحات الأمريكية! فلا عجب، اذن، ان تعاني الادارة الأمريكية كثيرا اثناء تقديمها مسودة دستورها للتصويت في العراق وتبذل الغالي والرخيص، لتحقيق هدفها الانساني النبيل، وهو تحرير الفرد العراقي من قبضة التخلف والجهل وضمه إلى المنظومة الديمقراطية. ولا تكمن صعوبة تحقيق المشروع الأمريكي، التصويت على الدستور نموذجاً، في كون العراق مقراً للارهاب المستهدف لسلامة الأمريكي وحريته، فحسب، بل تكمن العلة تبعا للسياسيين الأمريكيين، أساسا، في المواطن العراقي نفسه، وخاصة في عدم نضجه، وهي نفسها العلة القديمة التي حاول الأمريكي النبيل محاربتها والتغلب عليها في الذات الفيتنامية المتخلفة، الجنوبية منها والشمالية معا. على الرغم من تقسيم فيتنام إلى دولتين. وسببت شخصية الفيتنامي المتخلف، في فيتنام الجنوبية الحليفة خاصة، غير المتطابقة مع الشخصية الأمريكية، في النهاية، انكسارا لا مثيل له، وعلى مدى عقود، لنفسية الأمريكي الباسل.
وقد توضحت للادارة الأمريكية مسألة قلة نضج العراقيين، وتقاعسهم عن اللحاق بركب الديمقراطية، بالسرعة الأمريكية المطلوبة، منذ الأيام الأولى لدخولهم العراق. وكانت اولى الصدمات عندما لم يستقبلهم العراقيون المحررون بالحلويات والزهور الموعودة، بل وبدأ بعضهم بمحاربتهم ورمي القنابل عليهم.
هذه الحقيقة المرة، دفعت كولن باول، وزير الخارجية السابق، وهو الذي بذل الكثير من جهده وطاقته الدبلوماسية الخلاقة في تقديم عرض ممتاز في الأمم المتحدة، اقنع بواسطته العالم بخطر اسلحة الدمار الشامل العراقية عليهم جميعاً، كما أقنعهم بضرورة تحرير العراقيين، أيضاً، ولاغراض انسانية بحتة، هذا الانسان الصبور، المدرك جيداً لمعنى التحرر من العبودية، اضطره العراقيون جاحدو النعمة وناكرو الجميل الى الاعتراف، امام العالم، بانه ارتكب خطأ مشينا. اعترف كولن باول بأنه أخطأ في تحليله لنفسية العراقيين الذين اثبتوا، بسلوكهم العاق تجاه القوات الامريكية، بانهم مصابون بازمات نفسية اعمق مما كان يظن، وانهم سيحتاجون وقتا أطول مما توقع، للنهوض من واقعهم المؤلم.
الغريب في الامر ان وزير الدفاع دونالد رامسفيلد لا يشاركه الاحباط بصدد العراقيين. ربما، لانه لم يتوقع منهم الكثير أصلاً، لانه استفاد من نصائح صدام حسين حول كيفية معاملة العراقيين عندما زاره رسميا في نهاية الثمانينات، او لانه سلك، منذ البداية، طريق المحافظين الجدد، المباشر، لتعليم الشعوب الديمقراطية بلا لف او دوران. فكان هو المسؤول الأول عن برنامج التعذيب وانتهاك الاعراض في سجن أبي غريب وبقية السجون الخاضعة لجنوده، وقائد حملة الترويع والتخويف واستخدام الاسلحة المحرمة دوليا ضد المدنيين العراقيين، والداعي بمثابرة الى تطبيق جدول بول بريمر السياسي للعراق بحذافيره، لذلك، كان من الطبيعي، ان يستبشر رامسفيلد، خيراً، بتوقيع بعض الاحزاب السياسية على مسودة الدستورالأمريكي، الى حد دفعه للتفاؤل بقدرة العراقيين على التطور على الرغم من صعوبة المسألة، اذ صرح في مؤتمر صحفي له، يوم 13 تشرين الأول، بولاية فلوريدا: اني متفائل و... وانه لينبئ بان الشعب العراقي اكتسب نضجاً سياسياً.. وهذا ليس بالامر الهين.
وشاركه وزير الخارجية البريطاني جاك سترو تفاؤله وأيضا قلة توقعاته من قدرة العراقيين على استيعاب الديمقراطية، قائلاً: اني متفائل بشأن العراق واعتقد انه خلال خمس سنوات إلى عشر سنشهد تحوله إلى بلد مستقر. وأضاف سترو في لقاء مع الـ (BBC)، ان الاستفتاء على الدستور دليل على ان العراق يجتاز مراحل متقدمة نحو إرساء الديمقراطية.
وقد حظيت مسودة الدستور بموافقة الادارة الامريكية مجتمعة وساندتها الحكومة البريطانية، خاصة وان السفير خليل زاد قام بالاشراف شخصياً، على عملية الكتابة وما تلاها من محادثات. كما ساهم خليل زاد في وضع صيغة اتفاق بين الاحزاب السياسية المختلفة بشأن الدستور وقد رحب البيت الأبيض يوم الأربعاء بالاتفاق.
وقد واصلت الادارة الامريكية اشرافها اليومي المستمر على كتابة الدستور وتعديله ولم يستغرب أي من الاحزاب العراقية المساهمة في قراءة مسودة الدستور الحضور الامريكي بل اعتبرته تدريبا لها على الديمقراطية وحماية لها من نفسها ومن الخلافات بين بعضها البعض. وكانت فرحة المتحدث باسم البيت الأبيض سكوت ماكليلان كبيرة عندما وافقت الاحزاب العراقية المختلفة على مسودة الدستور وقال للصحفيين واصفا الموافقة بانها خطوة ايجابية. واضاف: نحن نعتقد ان مثل هذه الخطوات ستساعد العراق على المضي قدما على الطريق نحو ديمقراطية راسخة ودائمة.
ويعلق الرئيس جورج بوش الذي يواجه تراجعا شديدا في تأييد الرأي العام الأمريكي للحرب، اهمية كبيرة على الاستفتاء حيث تهدف حكومته الى اظهار ان العراق يحقق تقدما على طريق اقامة حكومة ديمقراطية. ومن شأن رفض الدستور ان يمثل انتكاسة كبيرة للعملية السياسية وان يزيد احتمالات استمرار العنف.
ولكي تهيئ الادارة الأمريكية الرأي العام الأمريكي لتقبل عقوق العراقيين المتمثل بمهاجمة القوات الأمريكية وقتل ما يقارب الالفي جندي حتى الآن، كرر الرئيس بوش تحذيراته بان الارهابيين سيستمرون باعمال العنف في العراق، كما نبه رامسفيلد الامريكيين والعراقيين المخلصين للمشروع الأمريكي، قائلاً: ان الحل الوسط من المحتمل ان يفجر مزيدا من العنف. وأن الاثر الفوري من المرجح ان يكون مثلما كان دوما مزيدا من العنف. وآخر شيء في العالم يريده الاعداء هو النجاح وآخر شيء يريدونه هو الديمقراطية في العراق.
ومن أمام البيت الأبيض، حيث قيم كتاب الدستور الأمريكي الذي تم التصويت عليه في العراق، السبت الماضي، أطلق سكوت ماكليلان تصريحامماثلا لتصريحات بوش ورامسفيلد المخلصة تجاه الشعب العراقي وضحاياه الابرياء المتساقطين يوميا، قائلاً بان زيادة الهجمات في العراق أمر متوقع وطبيعي لان الارهابيين يعرفون بان عراقا حرا وديمقراطيا يشكل ضربة موجهة الى طموحاتهم.
في اليوم نفسه، وبينما هنأت الادارة الأمريكية نفسها على تقديمها دستورها للتصويت للارتقاء بمستوى العراقي الى مصاف الديمقراطية، قصفت القوات الأمريكية منطقة سكنية في الرمادي غربي بغداد، أدت الى قتل امرأة واصابة عشرة اشخاص آخرين بجروح. كما شنت قوات امريكية أخرى حملة اعتقالات في مدينة (عانة)، في محافظة الانبار، طالت العديد من سكانها. وقصفت الطائرات مناطق منها أدت الى قتل رجل وجرح أربعة آخرين. وواصلت الطائرات الأمريكية قصفها لمنطقة الجزيرة. مكررة بذلك نجاحات عملياتها السابقة مثل القبضة الحديدية في تلعفر وحديثة والقائم وسعدة و..و..
ولئلا تصل قصص معاناة اهل العراق، مشوهة الى الامريكيين فتقلل من دعمهم لتحرير العراق وكتابة دستوره، تم الاعداد، يوم الخميس للقاء تحدث فيه بوش إلى عشرة من الجنود الأمريكيين وجندي عراقي واحد عبر دائرة تلفزيونية مغلقة عن الاستعدادات للتصويت.
وكان بوش يتحدث من البيت الأبيض بينما كان الجنود التابعون لفرقة المشاة (42) يتحدثون من بلدة تكريت ولاسباب لا تحتاج توضيحاً. حيث استقبل بوش خبر مشاركة اهل تكريت في التصويت بحماس كبير لانهم لم يكونوا قادرين على الانتخابات تحت النظام السابق. بدورهم، طمأن الجنود بوش على نجاح التصويت فأجابهم بصوت القائد العسكري والسياسي الذي لا يتطرق إليه الشك: اريد ان اؤكد لكم.. انه ما دمت انا الرئيس فاننا لن نتراجع ابدا ولن نذعن ابدا ولن نقبل بما هو اقل من الانتصار التام. وهذا هو بالضبط ما قاله الرئيس الأمريكي ليندون جونسون للجنود الأمريكيين المقاتلين في فيتنام، في أواخر عام 1967.