| الإعلامي البارز والكاتب المعروف الأستاذ ياسر الزعاترة في ضيافة البصائر   عدد القراء : 2327   . البصائر/ عمان - جاسم سلمان وانطلاقا من هذا كان لنا هذا اللقاء مع الكاتب الصحفي الفلسطيني الأستاذ ياسر الزعاترة. البصائر:لماذا بتقديركم كان الاحتلال الامريكي للعراق؟ الزعاترة :مشروع احتلال العراق هو مشروع صهيوني في الأصل، ثم تمكن الصهاينة من تسويقه على مجموعة من تجار النفط، ومنهم عائلة بوش وتشيني ، وتجار السلاح الحالمون باستمرار النزاعات العسكرية وسيطرة الولايات المتحدة على العالم بالقوة العسكرية خلال القرن الجديد، فيما لم يكن تسويقه صعباً على اليمين المسيحي الصهيوني الذي يهيمن على الحزب الجمهوري ويعتقد أن دعم الدولة العبرية ضروري لعودة جميع اليهود إليها لكي تتوفر الأجواء لعودة المسيح المخلص، وهؤلاء جميعاً هم الذين تشكل منهم فريق مشروع قرن إمبراطوري جديد في العام 1998، وهو المشروع الذي يبدأ باحتلال العراق. أقول مشروع صهيوني لأن الصهاينة الذين تحكموا في القرار السياسي الأمريكي أيام كلينتون، وبشكل أكبر أيام بوش، قد أدركوا من خلال مسيرة أوسلو وصولاً إلى قمة كامب ديفيد الفاشلة، صيف العام 2000 أن العالم العربي بوضعه القائم لا يمكن أن يمرر صيغة التسوية التي يريدون، وتبعاً لها السيطرة الصهيونية على المنطقة، ما يتطلب إعادة تشكيله على أسس جديدة، ولكي يحدث ذلك لا بد من احتلال العراق كمقدمة لإخضاع المنطقة برمتها وإعادة تشكيلها سياسياً وجغرافياً إن أمكن كي تكون جاهزة لتمرير الحلم الصهيوني، مع العلم بأن الوعي التوراتي كان دائم الربط بين القدس وبابل. وهكذا حصل تجار النفط على ما يريدون، أي حلم السيطرة على ثاني احتياطي نفطي في العالم، فيما حصل الصهاينة والمسيحيون المتصهينون على ما يريدون وكذلك تجار السلاح. المفاجأة الكبرى البصائر :كيف تنظرون لمايجري في العراق اليوم؟ الزعاترة: أعتقد أن ما يجري في العراق اليوم هو المفاجأة التي لم يتوقعها الغزاة، فقد أوهمهم بعض تجار السياسة ممن كانوا يسمون أنفسهم معارضة الخارج بأن العراقيين سيستقبلونهم بالورود، فلما اندلعت المقاومة وجد القوم أنفسهم مع الوقت بين مطرقتها وما تعنيه من نزيف مالي وبشري، وبين سندان القوى الأخرى المتحالفة مع إيران، أو القريبة منها في أقل تقدير، ولذلك باتوا يتخبطون في مأزق لا حدود له، إذ أن إيران كانت مستهدفة بمشروع الاحتلال، لاسيما بعد إصرارها على كسر الاحتكار النووي الإسرائيلي وتبنيها لحزب الله اللبناني، لكن الأحداث كانت تمنحها الصدارة في صيرورة الصراع، فقد خلصها الأمريكان من ألد عدوين (طالبان وصدام حسين) فيما سقط العراق بيدها ثمرة ناضجة، ليس فقط من خلال المجموعات القادمة من الخارج، بل وهذا هو الأهم، من خلال تدخلها المباشر، وبخاصة في المحافظات الجنوبية. في العراق اليوم مخاض سياسي عسير، فمن جهة هناك القوى العراقية الإسلامية والوطنية الحريصة على وحدة العراق وعروبته وإسلامه، وفي مقدمتها قوى المقاومة، ومن جهة أخرى هناك قوى تسعى إلى تصفية ثارات تعتقد أنها تأريخية أكان بالملاحقة والإخضاع والقتل اليومي، أم من خلال تطبيق الفدرالية، فيما تعتقد أن العراق واقع تحت سيطرتها في أي حال، أكان تحت الاحتلال، أم بعد تحريره، كما أن هناك قوى سياسية أخرى التي لا يهمها العراق بقدر ما تهمها مصالحها الذاتية في الحصول على ما هو أكثر من الاستقلال، وهذه القوى تفضل عراقاً مفتتاً ينشر فيروسات التفتيت في المنطقة برمتها. لا أرضية لحرب أهلية البصائر :البعض يراهن على حدوث حرب اهلية في العراق ،ماتعليقكم؟ الزعاترة: ليس هناك في العراق أرضية لحرب أهلية بالمفهوم الشامل المعروف، وهو لم يعرفها في تأريخه كله، لكن قدراً من الاقتتال يبقى واقعاً بالفعل، والسبب هو ممارسات الحكومة الطائفية التي لا ترقب في العراقيين إلاً ولا ذمة، مقابل بعض الردود الخاطئة التي تستهدف الأبرياء غير المحاربين، وما من شك أن اتساع دائرة المعارضين للاحتلال لتشمل قوىً وتيارات أخرى سيساهم أكثر في الحيلولة دون وقوع الحرب الأهلية، وبالمناسبة فإن حرباً كهذه لن يربح منها أحد، ولعل ذلك هو ما يدركه العراقيون، بمن فيهم أولئك الذين يسيرون في ركب الاحتلال. البصائر :بين فترة واخرى تشن الحكومة الانتقالية ـ بمساندة قوات الاحتلال ـ حملة ابادة على مدن وقرى عراقية ،بحجة البحث عن ارهابيين كيف تنظرون لتلك الافعال؟ الزعاترة: الهجمات التي تشنها قوات الاحتلال وقوات الحكومة الطائفية لا تستهدف من يسمونهم الإرهابيين دون سواهم، مع أن أمراً كهذا هو واقع بالطبع، بل هي شكل من أشكال العقوبات الجماعية التي تستهدف المناطق الحاضنة للمقاومة، أي أن هدفها هو فض الناس من حول المقاومة لكي تغدو معزولة وتسهل عملية شطبها مع الوقت، لأن المقاومة لا يمكن أن تستمر من دون حاضنة شعبية ودعم خارجي. خطورة ما جاء في الدستور البصائر:كيف تنظرون للدستور العراقي ؟ الزعاترة:اعتقد أن الملمح الأهم، وهو الأخطر بالطبع، في مسودة الدستور العراقي هو ذلك المتعلق بقضية الفدرالية، ذلك أنها تؤسس عملياً، ليس لتقسيم العراق وحده، وإنما لتقسيم المنطقة برمتها، ولعل من غير المتوقع أن تدعم إيران مساراً كهذا في حال وقع في المستقبل، إذ أنها الدولة الأكثر قابلية للتقسيم في المنطقة (عرب الأحواز الذين تمد مناطقهم إيران بمعظم إنتاجها من النفط والغاز، الأكراد، السنة في الشمال)، وفي العموم فإننا إزاء دستور خطير يستبطن تفتيت العراق وإلغاء هويته العربية والإسلامية. البصائر: هل تعتقدون ان ماجرى ويجري في العراق له علاقة بالقضية الفلسطينية؟ الزعاترة:هناك ولا شك ارتباط عضوي بين القضيتين الفلسطينية والعراقية، ليس فقط لأن الوجود الصهيوني في فلسطين والحلم الصهيوني بالسيطرة على المنطقة هو الدافع خلف احتلال العراق، بل أيضاً لأن نجاح المشروع الأمريكي في العراق سيدخل القضية الفلسطينية في مأزق بائس قد يمتد لسنوات طويلة، ولكن من فضل الله أن مقاومة الفلسطينيين قد وجدت صداها عند إخوانهم العراقيين فكان فشل المشروع الأمريكي الذي سيتعزز مع الوقت وصولاً إلى شطب مرحلة التسوية أو التهدئة الحالية وعودة المقاومة من جديد لتحرر ما تبقى من فلسطين كما تحررت غزة وقبلها جنوب لبنان. صرخات شيهان! البصائر: كيف تنظرون وتقيمون موقف الرأي العام الأمريكي من الحرب في العراق؟ الزعاترة:أنا أعتقد أن هناك تطوراً في موقف الرأي العام الأمريكي والغربي عموماً حيال ما يجري في العراق، وصرخات سيندي شيهان، والدة الجندي الأمريكي القتيل في العراق ما زالت تتردد أصداؤها في كل مكان في الولايات المتحدة، ما يذكرنا بفيتنام، وكذلك أمهات الجنود الأربعة الكيان الصهيوني التي فرضت في النهاية الانسحاب من جنوب لبنان. أكاذيب المحافظين الجدد أخذت تفتضح في الولايات المتحدة ما يبشر باتساع رقعة المعارضة للحرب وصولاً إلى الانسحاب، وإن كان من المبكر الحديث عن شيء كهذا في القريب العاجل، أقله خلال ولاية بوش الثانية والأخيرة. البصائر:ما رأيكم المشاركة في الانتخابات القادمة؟ الزعاترة:ما ينبغي أن يقال ابتداءً قبل الرد على هذا السؤال هو أن مقاطعة الانتخابات الماضية كانت خياراً سليماً وصائباً، خلافاً لما يروج بعض مبتدئي السياسة ، فقد كشفت ابتداءً عورة الأرقام المتداولة في سوق السياسة، فيما لم تكن المشاركة في ظل الظروف التي كانت قائمة لتحقق للعرب السنة _مثلا_ ما هو أقل من عشرين في المائة، لأن المزاج العام كان ضدها تماماً بعد اجتياح الفلوجة وموقف مجموعات المقاومة المناهض. ونذكر بأنه لو شارك العرب السنة وخرجت الحكومة الطائفية بذات الثوب القائم، الأمر الذي كان مرجحاً بالطبع، مع بعض الرتوش الهامشية لحشر العرب السنة في دائرة التمرد على الحكومة الشرعية، خلافاً للوضع القائم. في هذه المرحلة ليس ثمة بأس في مشاركة العرب السنة في الانتخابات، والسبب هو أن الصراع يبدو طويلاً، ما يفسح المجال أمام اجتهادات شتى من بينها العمل السياسي كي لا تواصل الحكومة الطائفية احتكارها للساحة. لكن القوى التي ترفض شرعية العملية السياسية تحت الاحتلال ينبغي أن تبقى على موقفها، وعلى رأسها هيئة علماء المسلمين، فيما ينبغي أن يكون شعار الجميع هو الحق في استمرار المقاومة حتى تحقيق السيادة والاستقلال الحقيقي. لكننا نذكر هنا بأن الانتخابات القادمة لا يمكن أن تكون نزيهة، وإذا كانت الانتخابات الماضية في غياب الكثيرين لم تكن كذلك، فما الذي سيجري هذه المرة في ظل مشاركتهم. خلاصة القول هي أنه لا ينبغي لنا أن نضع بيضنا في سلة الانتخابات، فمسار حماية العراق ومن بعده حواضر الأمة التالية لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال استمرار المقاومة لطرد الاحتلال، وأية اجتهادات أخرى ينبغي أن تكون مرافقة وليست هي الأصل. لا بد من لقاء العقلاء البصائر: ماهوالمخرج للقضية العراقية مما هي فيه الآن؟ الزعاترة:أعتقد أنه لا مخرج للقضية العراقية إلا بالتقاء عقلاء البلد كالمراجع من الجانبين في أم القرى والنجف والكوفة والكاظمية، على كلمة سواء عنوانها خروج قوات الاحتلال وإنشاء حكومة وحدة وطنية مؤقتة وتعداد سكاني وانتخابات عادلة في عراق إسلامي عربي موحد. إذا لم يحدث ذلك فسيستمر النزيف لوقت قد يطول، لأن المتحالفين مع الاحتلال لن يملوا بسهولة في ظل الامتيازات التي يمنحهم إياها، فيما المقاومون مستمرون لأنه لا خيار آخر أمامهم يحرر العراق ويدافع عن الأمة من ورائه. في نهاية المطاف ستنتصر إرادة الأمة، ليس على المحتلين الذين سيخرجون بعد أن تصل خسائرهم حدوداً لا تحتمل، ولكن أيضاً عل الطائفيين الذين يعتقدون أن بوسعهم أن يحرفوا قطار التأريخ عن سكته ويمارسوا ثأراً وهمياً مع الأمة. الطائفيون لن يربحوا المعركة لأن الأمة لا تؤمن بالروح الطائفية، بل تعامل الرموز والقوى السياسية بحسب موقفها من الاحتلال، وكما حملت صور حسن نصر الله وأحمد ياسين فإنها ستحمل في روحها ووعيها كل من يواجه الغطرسة الأمريكية، أما من يتحالفون مع الاحتلال فليس لهم غير مصير العملاء في كل تجارب التأريخ. البصائر:كيف ترون مستقبل العراق ؟ الزعاترة: أرى أن عراق المستقبل هو عراق محرر من دنس الاحتلال، عراق موحد، عربي إسلامي رغم أنف الانعزاليين والانفصاليين، وحتى لو طال الصراع لبعض الوقت فإن المتعاونين مع الاحتلال سيخسرون، كما سيخسر الاحتلال نفسه، أما المنحازون لبلدهم ووحدته ولأمتهم فسيكون الانتصار هو حليفهم، لاسيما أولئك الذين يجاهدون في سبيل الله حق الجهاد ولا يخافون في الله لومة لائم. ماتقييمكم للموقف العربي الرسمي والشعبي من القضية العراقية ؟ الزعاترة:أعتقد أن النظام العربي الرسمي لم يقدم شيئاً مذكوراً في سياق مواجهة الاحتلال، وهو إلى الآن واقع تحت مخاوف الضغوط الأمريكية الخاصة بالإصلاح الداخلي، والأسوأ أن ذلك يحدث رغم إدراك الجميع لمخاطر نجاح الاحتلال أو الحكومة الطائفية، ولعلنا نشير هنا إلى تصريحات وزير الخارجية السعودي كملمح من ملامح الصحوة العربية إزاء ما يجري في العراق. على الصعيد الشعبي يمكن القول إن القوى الحية في الأمة لم تقدم ما عليها إلى الآن، ومن الضروري أن تقوم بجهد مضاعف في خدمة برنامج مقاومة الاحتلال ومن يتبنونه ميدانياً وسياسياً. وفي العموم فإن المعركة ما تزال في بدايتها وستجد الأمة رسمياً وشعبياً ما تقدمه في هذه المواجهة. البصائر:ماذا تقول للشعب العراقي؟ الزعاترة:أقول لهم إن التأريخ لم يبدأ بالعراق ولن ينتهي به، وكل الشعوب التي احتلت اختلف أهلها على مقاومة الاحتلال أو التعاون معه، لكن خيار المقاومة هو الذي انتصر في النهاية لأن المحتل لم يأت من أجل مصلحة أهل البلاد المحتلة، وإنما من أجل مصلحته هو، ولا مجال إلا للمقاومة من أجل تحقق السيادة الحقيقية والاستقلال الحقيقي. أقول أيضاً إن الروح الطائفية قاتلة، وليعلم الجميع إن سريان هذه الروح لن يؤدي إلى خير وإذا اعتقد البعض أنه صاحب الأغلبية في العراق، مع أن إحصاءات حقيقية لم تتوفر، فليعلم بالمقابل أنه أقلية في العالمين العربي والإسلامي إذا كان المنطق هو منطق التفتيت وليس منطق الوحدة والتعاون بصرف النظر عن الخلافات المذهبية. البصائر:وماذا تقول للمقاومة العراقية؟ الزعاترة:أقول للمقاومين والمجاهدين أنكم أمل الأمة، وكما حمل إخوانكم في فلسطين الراية ودافعوا عن دينهم وأمتهم، فقد من الله عليكم اليوم بشرف الجهاد دفاعاً عن طهارة أرضكم وشرف أمتكم وهويتها ومصالحها، فاثبتوا واجعلوا بوصلتكم هي مواجهة المحتل ومن يتقدمون دباباته، وقدروا مواقفكم بحرص وعناية فالجهاد ان لم يحكمه العقل وتوجهه الحكمة لا يمكن أن يحقق أهدافه المرجوة. البصائر:كيف تقيمون عمل واداء جريدة البصائر ؟ الزعاترة:البصائر هي صوت هيئة علماء المسلمين، وهيئة علماء المسلمين هي صوت العقل والحكمة في العراق، فلتجاهد البصائر ومن يقومون على شأنها كي تحمل عن جدارة رسالة الهيئة العظيمة، تلك التي تعبر عن رسالة العلماء الكبار في تأريخنا. |