| الفكر وضرورات المرحلة   عدد القراء : 1133   . ما من حركة تغيير في المجتمعات الانسانية ان عبر التأريخ او في عصرنا هذا الاو وثمة فكر ساخن يغلي في اعماقها، وعادة ما يكون الفكر مغايراً، ومضاداً لما قبله من الرؤى والافكار بل هو ضرورة ان يكون مغايراً ومضاداً لما قبله فكيف له زماناً ومكاناً -ان يمتلك مسوغاته التأريخية في رفض الاقدم منه وطرح الاحدث بديلاً عنه ان لم يمتلك هذه التضادية في ذاته؟ ويصح الامر كثيراً وبدرجات متفاوتة من التضاد في مراحل التغير السياسي والاقتصادي والعقائدي التي تمر بها المجتمعات الانسانية. لابد من ثمة فكر، كتاب، او وثيقة او رمز فكري كان قد غلى في حركات التغيير التي مرت بها البشرية في تاريخها المديد قبل ان تعلن عن نفسها اساساً.. والقرآن الكريم يشير وبكل جلاء ووضوح الى هذه الظاهرة التضادية في فكر حركات التغير المتلاحقة في التأريخ البشري وعبر الكثير من الوقفات القرآنية ((قل جاء الحق وزهق الباطل ان الباطل كان زهوقا)) و((بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فاذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون)). يتراكم الباطل، الظلمات، الطغيان، الظلم، الاستبداد لمديات معينة من الزمن في سطوح الحياة الانسانية وقد يستشري كثيراً في مفاصل الحياة جميعاً حتى يظن ان ليس من حق سيدمغه يوماً ويزيحه من وجه الارض، وفي لحظة تأريخية يحل الحق فيدمغه فاذا هو زاهق من الارض زهوقاً. هذا من زوايا المحتوى في التأريخ الانساني وصيروراته المتعاقبة والتضادية المزمنة في احشائه، اما من زوايا التشكيل والتبلور والتجلي بصياغة ما فليس مهماً ان يكون الفكر مجداً في كتاب او في مؤلفات فكرية معقدة او عبر اجهزة سمعية وبصرية حديثة قياساً على ما نعيشه من تقنيات للثقافة والفكر في عالمنا المعاصر هذا، بل عليه ان يكون منسجماً وتقنيات عصره ومتشكلاً فيها، فحركة تغيير قبلية في مجاهل افريقيا ليس ضرورة ما تمتلكه حركة تغيير معاصرة من تقنيات اتصال فنطوره في زماننا هذا في حين يبقى القاسم المشترك الاعظم بين تلك الحركة واية حركة اخرى من حركات التغيير العالمية في اعماق كل منهما ثمة فكر تأريخياو غير تاريخي- يغلي فيه مضاد ومغاير لما قبله.. تأريخيبمعنى انه ينسجم وقانونية الرقي والاعمار والتطور في الارض وغير تأريخي بمعنى انه يتضاد وقانونية الرقي والاعمار في الارض. في ثورة عبيد روما لم يكن ثمة كتاب؛ فكر معقد كان عبيد روما قد تدارسوه في اكاديميات الفلسفة لم يكن اية وثيقة تأريخيةفكرية تداولها اولئك العبيد فيما بينهم لم يكن ثمة رؤى فلسفة معقدة مثل (شيئية العبد ولا انسانتية ازاء سيده) او (الرق والعبودية مرحلة فكر همجي مرت به البشرية يوماً ولم يعد مناسباً لروما المدينة، والحضارة انذاك ان تعتمد) انما كان سبارتكوس زعيم العبيد انذاك ثائراً انسانياً برؤى فكرية اولية وعامة وطروحات انسانية بدائية وميزتها الوحيدة انها كانت ساخنة وصادقة وكانت تمس حقيقة الازمة مساً مباشراً وصادقاً تلك الازمة التي عاشتها روما وهي تضطهد العبيد كل هذا الاضطهاد.. وفي بزوغ فجر الدين الاسلامي في قلب الجزيرة العربية وحركة التغيير الشاملة العميقة التي احدثها في ربوع مكة والمدينة اولاً ثم في عموم الجزيرة العربية والدولة الاسلامية مترامية الاطراف لاحقاً لم يكن سوى القرآن كتاباً والنبي (صلى الله عليه وسلم) بشخصيته وسنته المطهرة و(كان القرآن خلقه) فكراً يغلي في اعماق حركة التغيير الاسلامية الشاملة في الامتين العربية والاسلامية.. وفي حركات التجديد المسيحي التي ظهرت في عموم اوروبا في العصور الحديثة لم يكن سوى الانجيل مترجما الى لغات اوروبا المحلية وثيقة تأريخيةفكراً متقداً يغلي في قلب تلك الحركات، ولو تتبعنا كل حركات التغيير الصغيرة والكبيرة منها في التأريخ الانساني بحثاً عن ذاك الفكر الذي اضطرم في اعماقها لطال بنا المقام ولصعب كثيراً فاين تلك الامانة التأريخية في نقل وقائع التأريخ اولاً واين ذلك الكتاب التأريخي الشامل الذي بحث بنزاهة في ماهية حركات التغيير الانساني وفي طبيعة الافكار التي اضطرمت في اعماقها دون ان ينحاز الى نظرية ما؛ الى رؤية تأويلية ما (والتأريخ يكتبه المنتصرون عادة) و(آفة الاخبار رواتها) كما يقال. هي اذن لازمة تأريخيةاقترنت بالتأريخ البشري جميعاً.. ما من حركة تغيير نحو الرقي او كانت ارتداداً نحو الانحطاط فيه الا وثمة فكر مغاير ومضاد لما قبله كان يغلي في اعماقها.. وسيكون الفكر في حركات التغيير تلك وخاصة في مراحلها الاولى، والتي غالباً ما تكون سرية وضئيلة في مراحل التشكل الاولى هو الاكثر تأثيراً في ديمومة تلك الحركات واستمراريتها وصلابتها وخاصة في تلك الحركات الانسانية الواضحة التلقائية، والتي تحمل في طياتها بذرة ورائحة الخير الانساني العام ولعل الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يرد على عروض كفار قريش (والله ياعم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على ان اترك هذا الدين ما تركته حتى يظهره الله او اهلك دونه) هو اصلب واثبت فكر عرفته البشرية في تاريخها.. وما اكثر ما قيل من كلمات في زوايا التأريخ تشير الى هذا الثبات والصلابة في فكر حركات التغيير العالمية وتؤكده (نموت، نموت ويحيا الوطن) و(نحن افكار وابدان فان فنيت اجسادنا فلن تفنى افكارنا) و(تمنيت لو ان لي الف نفس ابذلها واحدة بعد اخرى في سبيل الله) وفي رسائل الاسرى الاخيرة او كلماتهم الاخيرة الى ذويهم وشعوبهم من الثبات والصلابة مما هو مثير ومدهش، وكان ابن باديس فقيه الجزائر ابان مقاومتها للاحتلال الفرنسي هو فكر ورمز الجزائر في حركاتها التحررية، وكان عز الدين القسام واحمد ياسين ومئات ومئات على شاكلتهما في شعبنا الفلسطيني طيلة مسيرته الجهادية هم رمز وفكر حركة التغيير الفلسطيني باتجاه استرداد الارض من مغتصبيها. بعد هذه المقدمة ما هو فكر المقاومة الجهادية في العراق، ماهو فكر الشق المقاوم في العراق ولكي لا نتيه في المصطلحات والكلمات فالمقاومة او الشق المقاوم في العراق هي تلك القوى من كافة اطياف المجتمع العراقي التي ناصبت الاحتلال العداء ورفضته فوق ارض العراق وقاومته باساليب مختلفة وايقنت وآمنت ان لا سلام في العراق ولا حرية ولا يوجد مستقبل واعد ولا دور ولا شرف سياسي يليق به، ولا مكانة اعتبارية بين الامم يتمتع بها ولا حياة كريمة اصلا والاحتلال واذناب الاحتلال جاثمون فوق صدر وارض العراق ويتشرف المجاهدون في انحاء العراق كافة بان لهم القدح المعلى في مسيرة ما سميناه (الشق المقاوم في العراق).. ماهي وثيقة تحرير العراق من هذا العار التأريخي الذي لحق به على يد العملاء وخفافيش الليل، اولئك مرتدو اثواب البراءة والبراءة بل الشرف منهم براء.. ما هو ذلك الفكر مرجل الغليان في قلب صناعة التأريخ. وبخطى واثقة في العراق.. لقد ربط مونتغمري الجنرال الانكليزي الشهير قائد معركة العلمين وعبور النورمندي بين كسب الحرب وقوة وازعها الاخلاقي، الانتصار فيها مستنداً، على قوة وحيوية ومنطقية الفكر في خوضها ومعادلة هذان طرفاها (اخسر كل شيء أواربح كل شيء) او ذلك الشعار المارق اللاانساني الذي استخدمه البعض كثيراًً (القتال خير من البطالة) او ما شابه ذلك من الرؤى والتي لا تليق بالانسان اصلا بقدر ما تليق بجندي الشطرنج ستكون ذا خطر اشد على الجهاد في العراق، على المقاومة من الاعداء ذاتهم فمواجهة مصيرية يترتب عليها لا مصير العراق لوحده ولا مصير الامتين العربية والاسلامية ولكن مصير الانسانية برمتها وان استنكر الكثير عليّ هذا القول لكن تقييماً تاريخياً دقيقاً ونزيهاً لحقيقة المعادلات التي اوجدتها المقاومة على ارض الواقع السياسي العالمي كفيلة بترجيح هذا القول لا استنكاره.. لا شك ان معادلات مثل هذه او من تلك التي تريد بنجاحات صغيرة تحرزها هنا او هناك التكيف مع الواقع وتقبله على مضض ستكون ذا خطر شديد بل ومميت على الشق المقاوم في العراق فوضوح عام في الرؤية وتحديد دقيق للاهداف والتزام اخلاقي بثوابت فكرية سليمة ومنهاج واقعي في تنفيذ تلك الرؤى، وصبر على المكاره وتقبل للتضحيات الجسام وطول المواجهة وشموليتها ويقين قاطع بتلك المقولة الساذجة في كلماتها والعميقة في معناها (ما اخذ بالقوة لا يسترد الا بالقوة) يكسب المقاومة والشق المقاوم تأريخيةوثبوتية هي احوج ما تكون لها اولاً، ويكسبها ديمومة وصلابة واستعداداً للتضحية ثانياً ويمنحها تطوراً تصاعديا في ادوارها الجهادية ثالثا ويفوت الفرصة على اولئك المتصيدين في المياه العكرة رابعا وما اكثر هؤلاء وخاصة لحظة (اقتسام الغنائم) و(خطف الثمار) لاحقاً، وقد بينا قيمة واهمية ان تحتضن المقاومة فكراً تاريخياً سليماً يضطرم في قلبها ويغذيها ويمدها بعناصر الثبات والوضوح والمصداقية والواقعية والقابلية على كسب جميع الخيرين ان في العراق او في خارجه، بقي ان نخوض كيف لهذا الفكر في عراق يتشكل من طيف سياسي اجتماعي واسع ومؤثر في ثقافة اللحظة العراقية ان يؤثر تاثيراً شديداً.. ان تكلمنا عن فكر عام شامل يجمع العراقيين جميعاً تحت خيمة واحدة ثم نذهب في واقع هذا التجمع نرسم للعراق هوية جديدة تقفز فوق هذا الطيف وتتناساه (بفبركة) فكرية ما لا يكاد يثق بها احد فقد سقطنا في الفكر السياسي الاجتماعي اللا معقول الفكر السياسي الاجتماعي المتجاهل عن عمد حقائق الواقع.. وان غرقنا فيه - طيف العراق السياسي الاجتماعي- ورحنا ننظر ونمهد لهويات ما ضوية شديدة الحساسية والتقوقع وضيقة اشد الضيق، هويات تلغي كل ارث العراق الواحد قلعة العرب الشرقية للامتين العربية والاسلامية فقد سقطنا في فخ اشد خطورة من الاول فقد سقطنا فيما يمكن ان نسميه استعارة من الدكتور عالم الاجتماع العراقي عبدالجليل الطاهر الانتماء السلبي الى القوقعة او التحجر في القوقعة وبالتالي اللاقدرة على الانسجام والاخرين الذين هم بدورهم انتموا بسلبية شديدة الى قواقعهم. لا شك ان العراق سقط وباساليب قذرة وغير اخلاقية مارستها ضده الكثير الكثير من الدول والقوى الفكرية في الارض.. مارستها ضده ادران تأريخيةكثيرة وسوداء.. سقط ضحية مؤامرة خطيرة وقذرة طمعاً بثروته النفطية العملاقة، واستكمالا للمخطط الغربي اليهودي في تحييد العراق والغائه كأرث وكدور وكوطن من خرائط الارض وتصفية اهله جميعاً. |