وقفات مع شهر الصيام   عدد القراء : 2508   .

ان صيام شهر رمضان احد أركان الإسلام ومن المعلوم من الدين بالضرورة، دل عليه الكتاب والسنة واجماع الامة وتواترت في فضله الاخبار فينبغي للمؤمن ان ينتهز فرصة إهلاله فيبادر بالتوبة والانابة فانه في اعظم ازمانها ويكثر من الطاعات فإنه في اشرف اوقاتها ويترك الذنوب والسيئات فإنه ليس في اوانها لقوله عليه الصلاة والسلام (وينادي مناد يا باغي الخير اقبل ويا باغي الشر اقصر) رواه الترمذي.
ومما لا شك فيه ان الصيام عبادة جليلة مشتملة على جملة من الشرائط والاركان والواجبات والمستحبات التي أمر الله تعالى بها كما ان للصيام مفسدات ومحرمات ومكروهات نهى الله تعالى عنها كما ان له فوائد مختلفة وحقائق قلبية متعددة لذا يجب على المسلم معرفة هذه الامور ليعبد الله تعالى على بصيرة ولتكون العبادة مقبولة يثاب عليها ويفرح بها يوم القيامة ولتحقق ذلك هذه وقفات موجزة مع شهر رمضان شهر التوبة والغفران.
الوقفة الأولى.. فضائل صوم شهر رمضان
للصيام فضل عظيم على سائر العبادات اختصه الله تعالى ((يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)).
وبين ذلك ايضاً عليه الصلاة والسلام في احاديث كثيرة منها ما رواه البخاري ومسلم (قال الله عز وجل كل عمل ابن ادم له الا الصوم فإنه لي وانا اجزي به والصيام جنة -وقاية- فإذا كان يوم صوم احدكم فلا يرفث ولا يصخب فان سابه احد او قاتله فليقل اني صائم والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم اطيب عند الله من ريح المسك وللصائم فرحتان يفرحهما اذا افطر فرح بفطره واذا لقي ربه فرح بصومه) وفي رواية للامام مسلم وأحمد (كل عمل ابن ادم يضاعف الحسنة عشر امثالها إلى سبعمائة ضعف الا الصوم فإنه لي وانا اجزي به يدع شهوته وطعامه من أجلي).
وقوله عليه الصلاة والسلام (من صام رمضان ايماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) متفق عليه ، وقوله عليه الصلاة والسلام (الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة يقول الصيام اي رب منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه ويقول القرآن منعته النوم بالليل فشفعني فيه قال فيشفعان) رواه الامام احمد وصححه الالباني، وقوله عليه الصلاة والسلام (ان في الجنة باباً يقال له الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة لا يدخل منه احد غيرهم يقال اين الصائمون فيقومون لا يدخل منه احد غيرهم فإذا دخلوا اغلق فلم يدخل منه احد) متفق عليه.
الوقفة الثانية.. حكم وفوائد الصيام
اولاً: فوائد روحية
آ- ينمي في النفس ملكة التقوى التي هي من اعظم حكم الصوم.
ب- يربي الصائم على الصبر ويقوي ارادته ويساعده على ضبط النفس والسيطرة عليها والتحكم بها.
جـ - الصيام من اعظم اسباب تطهير النفوس من أدرانها وتزكيتها بتهذيب اخلاقها وتنقيتها من عيوبها والاستعلاء على شهواتها والارتقاء بها إلى مصاف الملائكة.
ء- تضيق مجاري الدم التي هي مجرى الشيطان الوسواس الخناس فإنه يجري مجرى الدم في ابن ادم كما قال عليه الصلاة والسلام (فضيقوا مجاريه بالصوم).
ثانياً: فوائد اجتماعية
آ- يربي المسلمين على النظام والانضباط والاتحاد فيصان المجتمع من الشرور والمفاسد.
ب- ينشر العدل والمساواة بين المسلمين وينمي في المؤمنين خلق الرحمة وسلوك الاحسان والشعور بمعاناة المحتاجين الفقراء.
جـ - يعرف الغني قدر نعمة الله عليه بما انعم به ما منع منه كثيراً من الفقراء من فضول الطعام والشراب واللباس والنكاح فإنه بامتناعه عن ذلك في وقت مخصوص وحصول المشقة له بذلك فيتذكر به من منع ذلك فيوجب له ذلك شكر نعمة الله تعالى عليه بالغنى ويدعوه إلى مساعدة اخوانه الفقراء.
ثالثاً: فوائد صحية
آ- يطهر الامعاء ويصلح المعدة.
ب- ينظف البدن من الفضلات والرواسب الضارة.
جـ - يخفف من وطأة السمن وثقل البطن بالشحم فهو كما قيل (صوموا تصحوا).
الوقفة الثالثة.. أحكام يجب على الصائم معرفتها
أولاً: أركان الصيام
آ- النية قال عليه الصلاة والسلام (من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له) صحيح الجامع، فنية صيام رمضان واجبة قبل طلوع الفجر كذلك عند قضاء رمضان وفي صيام النذر اما صيام التطوع فيحتاج له ان ينوي بعد ما أصبح، هذا قول الشافعي واحمد واسحق (رضي الله عنهم).
ب- الامساك عن المفطرات من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس.
ثانياً: محرمات الصوم ومكروهاته
آ - محرمات الصوم: وهي التي حرم على الانسان فعلها في غير رمضان ويتأكد التحريم لشرف الزمان وفضيلة شهر رمضان وهي الكذب والغيبة والنميمة وفحش القول والنظر والسماع المحرم قال عليه الصلاة والسلام (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) رواه البخاري.
ب- مكروهات الصيام
1- المبالغة في المضمضة والاستنشاق
2- تذوق الطعام بغير حاجة
3- القبلة لمن تحرك شهوته
4- شم ما لا يؤمن ان تجذبه انفاسه إلى حلقه كمسحوق المسك والبخور
5- ترك الصائم بقية حطام بين اسنانه.
ثالثاً: آداب وسنن الصيام
آ- تعجيل الفطور وتأخير السحور قال عليه الصلاة والسلام (لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر) رواه البخاري وقوله عليه الصلاة والسلام (لا تزال امتي على سنتي ما لم تنتظر بفطرها النجوم) صحيح رواه ابن حبان.
وقال عليه الصلاة والسلام (انا معاشر الانبياء أمرنا ان نعجل افطارنا ونؤخر سحورنا ونضع ايماننا على شمائلنا في الصلاة) صحيح الجامع وقال عليه الصلاة والسلام (تسحروا فإن في السحور بركة) متفق عليه.
ب- الافطار على رطب فإن لم يتيسر فتمر والا فماء لقول انس بن مالك رضي الله عنه (كان النبي صلى الله عليه وسلم يفطر على رطبات قبل ان يصلي فإن لم يكن رطبات فتمرات فإن لم يكن تمرات حسا حسوات من ماء) رواه احمد وأبو داود والترمذي
جـ - الدعاء عند الافطار وفضل من فطر صائماً قال عليه الصلاة والسلام (ان للصائم عند فطره لدعوة ما ترد) صحيح رواه ابن ماجة، (وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا افطر قال ذهب الضمأ وابتلت العروق وثبت الاجر ان شاء الله) حديث حسن رواه ابو داود، وقال عليه الصلاة والسلام (من فطر صائماً كان له مثل اجره غير انه لا ينقص من اجر الصائم) صحيح رواه الترمذي.
د- الجود ومدارسة القرآن الكريم فالجود ومدارسة القرآن مستحبان في كل وقت الا انهما آكد في رمضان.
هـ - الاجتهاد في العبادة في العشر الاواخر (كان عليه الصلاة والسلام اذا دخل العشر الاواخر أحيا الليل وايقظ اهله وشد المئزر) متفق عليه
د- الاجتهاد في العبادات وكثرة ذكر الله تعالى.
رابعاً: مفسدات الصوم
للصوم مفسدات اذا حصلت في نهار رمضان واهمها
آ- الاكل والشرب متعمداً
ب- الجماع
جـ - انزال المني بشهوة وباختياره
د- التقيؤ عمداً
هـ خروج دم الحيض والنفاس
الوقفة الرابعة.. أخطاء يقع فيها الصائمون
هنالك بعض الاخطاء والمخالفات التي قد يقع فيها بعض الصائمين لا بد من التنبيه عليها والتحذير منها حتى يكون الصيام كاملاً مقبولاً واهمها.
أ- الاقبال على العبادة في رمضان وتركها في غيره ومن المؤسف ان ترى المساجد تمتلئ في الايام الأول وسرعان ما يتناقصون حتى يكون في اخر الشهر مثل غيره من الشهور.
ب- البعض يصوم عن الاكل والشرب وسائر المفطرات ولا يصوم عن كثير من المحرمات كالغيبة والنميمة والكذب والسب والشتم والغش والعدوان وغير ذلك من المحرمات القولية والفعلية.
جـ - البعض يسهر الليل كله في رمضان على التلفاز وعلى الافلام والمسلسلات والبرامج المفسدة والملهية عن ذكر الله والبعض الاخر يسهرون على اللهو ثم قبل صلاة الفجر ينامون ويضيعون الصلاة ويقضون معظم النهار في النوم وكأن رمضان فرصة للكسل والخمول في حين ان كثيراً من المعارك الإسلامية والانتصارات الباهرة كانت في رمضان.
د- البعض يستقبل رمضان بصنوف المطعومات والمشروبات حتى كأن رمضان عند هؤلاء موسم الاسراف والتبذير والتباهي.
الوقفة الخامسة.. رمضان شهر الجهاد والنصر
شهر رمضان هو شهر الجهاد في سيبل الله وفيه كانت معظم انتصارات المسلمين، ففي رمضان من السنة الثانية للهجرة انتصر الإسلام على الشرك في غزوة بدر الكبرى أم المعارك الإسلامية وفاتحة الغزوات المحمدية.
وفي رمضان فتح مكة وفيه وقعت معركة بلاط الشهداء في فرنسا وفيه تم فتح المغرب الاقصى وفيه استرجع الظاهر بيبرس انطاكية من الصليبيين الغزاة وفيه هدم خالد بن الوليد العزى وفيه فتحت عمورية وفيه تم فتح بلاد السند بقيادة محمد بن القاسم الثقفي وفيه استعاد القائد المسلم نور الدين زنكي مدينة حارم وبلغت خسائر الصليبيين عشرة آلاف نسمة من جنودهم وفيه وقعت معركة البويب في العراق وانهزم الفرس وتكبدوا مائة الف قتيل وغريق في ماء الفرات.
وفيه انتصر الحمدانيون على البيزنطيين وفيه حدثت معركة عين جالوت الخالدة وانهزم التتار وتكبدوا الخسائر الفادحة، وفيه انتصر القائد طارق بن زياد على القوط في أهم عمليات فتح الاندلس فالعز كل العز في رمضان.
الوقفة السادسة.. مع المفطرين في رمضان بلا عذر شرعي
اوجه ندائي إلى المفطر بلا عذر في شهر الصيام فأقول له لعلك قد مررت باوقات تمتعت فيها بالشهوات والملذات في نهار رمضان ولكن هل تجد لها لذة الآن؟ ذهبت الملذات والشهوات وسيبقى الاثم والعار.
تفنى اللذائذ يا من ذاق لذتها
       من الحرام ويبقى الاثم والعار
وتبقى عواقب سوء لا انفكاك لها
        لا خير في لذة من بعدها النار
فتدارك نفسك ايها المفطر وتب إلى الله تعالى فانت في شهر التوبة والغفران شهر تضاعف فيه الاعمال وتحط فيه الاوزار فجد فيه بالطاعات وبادر فيه بالحسنات وارفع كف الضراعة لمولاك وقف ببابه ولذ بحماه فمن وقف ببابه تلقاه ومن لاذ به حماه ووقاه ومن توكل عليه كفاه فبادر بالتوبة قبل لقياه لعلك تحظى بالقبول وتدرك المطلوب وفي الختام نسأل الله تعالى ان يتقبل منا الصيام والقيام وصالح الاعمال انه سميع مجيب وصلى الله تعالى على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه اجمعين