مدرسة رمضان   عدد القراء : 1110   .

أنزل الله (عز وجل) القرآن الكريم في شهر رمضان، وعد ذلك نعمةً ومنةً منه تبارك وتعالى لشرف المنزل وزمن النزول، فقال ((شهر رمضان الذي انزل فيه القرآن)) وقال ((إنا أنزلناه في ليلة مباركة)) وقال ((وإنا انزلناه في ليلةالقدر)) القرآن الكريم الكتاب الذي لا يأتيه الباطل لا من بين يديه ولا من خلفه، الكتاب الذي لا ريب في هداه، الكتاب الذي يهدي للتي هي أقوم.
كان العرب في الجاهلية لا اعتبار لهم في معايير وموازين الأمم آنذاك، كانوا في جاهلية وكانوا في ضلال مبين، فمن الله (عز وجل) عليهم فاختار منهم رسولاً ، وأنزل عليه كتاباً وعلمهم الرسول الكتاب المنزل وفقههم بذلك بميزان الحكمة، فكان سبب تزكية نفوسهم، فصاروا بذلك خير أمة اخرجت للناس، وسجل القرآن تلك النعمة منةً على عباده المؤمنين فقال ((لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ))، ثم ان الله عز وجل، وعدهم -إن هم حملوا هذه النعمة وشكروها قولاً وعملاً واعتقاداً- ان يورثهم الأرض ويجعلهم خلفاءها ويمكن لهم ولدينهم ويجعلهم سادة الدنيا وقادتها، فقال ((وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ )) فآمن العرب بالله ربا وبالاسلام دينا وبمحمد رسولاً، وبالقرآن هادياً ودستوراً فأنجز الله عز وجل لهم وعده والله لا يخلف الميعاد وبذلك كان بدء تأريخنا.
تأريخنا من رسول الله مبدؤه
           وما سواه فلا عز ولا شأن
وحذرنا الله تعالى تحذيراً شديداً من مغبة نسيان هذه النعمة وعدم شكرها أو انكارها، فقال: ((ومن كفر بعد ذلك فاولئك هم الفاسقون)) ثم نبه الله عز وجل هذه الأمة تنبيهاً شديداً على أن مصدر عزتهم وكرامتهم وذكرهم بين الأمم بل ووجودهم ووجود أجيالهم سيكون حصراً في دستور القرآن فقال ((لقد انزلنا اليكم كتاباً فيه ذكركم أفلا تعقلون))؟! ((فيه ذكركم)) قدم الجار والمجرور على المبتدأ ليفيد الحصر وبعبارة اخرى هي لا ذكر لكم بين الامم والشعوب الا عبر سبيل القرآن حصراً، ولذلك أوجب عليهم ضرورة التمسك به هدياً وسياسة وخلقاً وتعلماً اضافة إلى ايمانهم به عقيدة وشريعة فقال ((فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (43) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ)) ونلاحظ هنا عبارة ((وانه)) القران الكريم لانه هو الذي اوحي إليه أولا، والسنة النبوية أوحيت ثانياًوجملة ((لذكر لك ولقومك)) مع جملة ((فيه ذكركم)) هاتان الجملتان فيهما معادلة يجب على المسلمين أن يعوها والعرب منهم بوجه الخصوص أن يستوعبوها وحاصلها: انه لا ذكر محمود، ولا عزة ولا رفعة ولا مكانة ولا توفيق لهم بين الامم الا في ضوء القرآن وفي هدي الإسلام حصراً ولذلك وجدنا بعض الدعاة المعاصرين قد صاغ هذه المعادلة بالاتي فقال ما حاصله العرب + الاسلام منهج للحياة = ان هذه الامة كتبت لها العزة والرفعة والقيادة للامم والشعوب قيادة عدل ورحمة وهداية وبصيرة في ضوء نور القرآن وهدي سنة نبي الاسلام عليه الصلاة والسلام.
اما العرب - الاسلام اي ليس منهجا لهم في حياتهم = صفر في ميدان الحياة كلها الدنيوية والآخروية والفشل الذريع المخزي بين الأمم والشعوب، ليكن في بال هذه الأمة انها لو أوتيت كل الامكانيات المادية والعلمية واخذت بناصية التكنولوجيا المعاصرة بحذافيرها ثم عزلت الاسلام والقرآن عن منهج حياتها فلن تستفيد اطلاقاً ولن توفق إلى صنع الحياة كما يصنعها البشر، لأن سنة الله معهم ستتدخل وتعطل وتبطل وتفشل كل النتائج المادية، المعروفة، وهذا السر لن يكون مع غيرهم من الأمم لأن الأمم الأخرى لم ينزل عليها قرآن فيه جملة ((فيه ذكركم)) وجملة ((وانه لذكر لك ولقومك)) ولذلك يجب عليهم ان يأخذوا من العلوم المادية والتكنولوجيا المستطاع المتيسر فهذا المستطاع المتيسر مع منهج القرآن في حياتهم سيعوض التوفيق الرباني الفرق المادي الحاصل وتتدخل عناية الله بهم بالتوفيق ولذلك قال عمر بن الخطاب جملة على لسانه فكانت قانوناً لم يتخلف تأريخنا (نحن قوم كنا اذل الناس فاعزنا الله بالاسلام فاذا ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله).
اذن يتحصل عندنا ان هذه الأمة جسد ميت بغير القرآن والذي يكون سبباً في حياتها هو روحها وروحها القرآن، نعم روحها القرآن ((وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا)) وما نراه اليوم في واقع هذه الأمة هو جزء من سنة الله فيها ليرجعها إلى جادة الصواب رغم أنفها، ((ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ *سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ *وَيُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ )).
أليس عجباً بل من أعجب العجب أن يصل الحال بهذه الأمة إلى ما هي عليه مع ان العلاج عندها؟ والروح بين جنباتها؟
كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ
       والماء فوق ظهورها محمول
فيا أمة الإسلام، ويا ايها العرب إلى الدواء إلى القرآن إلى الروح إلى الذي فيه ذكركم، ونحن في شهر رمضان والله ولي التوفيق.