وقفة مع مفردات العرب   عدد القراء : 320   .
إرْضَنَا لك رَبَّاً نَرْضَكَ لنا عَبْداً
ليث
سلمان
قيل لي في نوم كاليقظة أو يقظة كالنوم: لا تُبد فاقةً الى غيري فأُضاعفها عليك عقوبة لخروجك عن صدِّك في عبوديتك.
ابتليتك بالفقر لتصير ذهباً خالصاً فلا تزيفنّ بعد السبك.
حكمت لك بالفقر ولنفسي الغنى، فإن وصلتها بي (اي نفسك) وصلتك بالغنى، وان وصلتها بغيري حسمت عنك مواد معونتي طرداً لك عن بابي لا تركننّ الى شيء دوننا فإنه وبالٌ عليك، وقاتل لك، وان ركنت الى المعرفة نكرناها عليك وان ركنت الى الوجد استدرجناك فيه، وان ركنت الى العمل اوقفناك معه، وان ركنت الى المخلوقين وكلّناك اليهم، فالأصلح لك يا عبدي:
((إرْضنا لك رَبّاً نرضك لنا عبداً)).
فان رضيت بالله رباً وتوكلت على الله في كل امرك.. كفاك كل امرك..
ومن ابواب التوكل على الله والإنابة له:
الشهقة عند سماع القرآن:
للعبد عند سماعه القرآن شهقة بدوافع مختلفة ولكنها تقود العبد الى هدف واحد، هو القرب من الله والعودة اليه:
الشهقة الاولى/ ان يلوح له عند سماع القرآن درجة ليست له فيرتاح لها فيتطلع اليها فتحدث الشهقة، فهذه شهقة شوق (أمل في بلوغها).
الشهقة الثانية/ أن يلوح له ذنب ارتكبه فتذكره عند سماع آيات الله فيشهق خوفاً وحزناً واشفاقاً على نفسه من هذا الذنب فهذه شهقة خشية.
الشهقة الثالثة/ ان يلوح له نقص فيه لا يقوى على دفعه عنه فيحدث له تذكّر ذلك حزناً فيشهق شهقة حزن.
الشهقة الرابعة/ أن يلوح له عند سماعه آيات صفات الله كمال محبوبه ثم يرى الطريق اليه مسدودة عنه فيُحدث ذلك شهقة أسف وأسى.
الشهقة الخامسة/ ان يكون قد توارى عن محبوبه واشتغل بغيره، فذكّره السماع محبوبه فلاح له جماله، ورأى الباب مفتوحاً والطريق ظاهرة (وذلك مصدره خشوع أُلقي في قلبه) فشهق شهقة فرحاً وسروراً بما لاح له.
وبكل حالٍ فسبب الشهقة قوة الوارد (آيات القرآن) وضعف المحل عن الاحتمال (قلب العبد) فذلك حكم الشهقة ولا تكون إلا مع صادق.. وإلا كان منافقاً.
لذة وألم:
اللذة من حيث هي لذة فهي مطلوبة للانسان بل ولكل حي.. فاللذة لا تُذمُّ من جهة كونها لذة.. بل تذم ويكون تركها خيراً من إتيانها وانفع اذا تسببت في فوات لذة اعظم منها وأكمل..
او خلّفت ألماً عظيماً هو اعظم من ألم هجرانها.
فهتا يظهر الفرق بين العاقل الفطن والاحمق الجاهل.
فإذا عرفت التفاوت بين اللذتين والألمين..
هان عليك ترك أدنى اللذتين لتحصل على الأعلى.
واحتملت ايسر الألمين لدفع اعظمهما عليك.
واذا اتفقنا على هذه القاعدة..
فان لذة الاخرة اعظم وأدوم من لذة الدنيا والتي هي اصغر واقصر عمراً وكذلك ألم الآخرة اعظم واكبر من ألم هجرة اللّذة في الدنيا.
فإذا قوي اليقين في القلب وباشر القلب.. آثر القلب الاعلى على الادنى في جانب اللذة واحتمل اللم الاسهل لدفع الاصعب..
والله المستعان في كل ذلك..
(من وحي الفوائد لابن القيم)