الحركة الاستشراقية.. مراميها.. واغراضها   عدد القراء : 2458   .

كثيرة هي الكتب التي كتبت في الاستشراق والمستشرقين، وكثيرة هي الطروحاتت والردود، والمتابعات والمناقشات التي طرحت في الرد على الاستشراق واهله لصد كيدهم عن الأمة في دينها وتأريخها وعقيدتها وكتاب الله ولتبيان مراميهم ومساعيهم، واهدافهم، وطبيعة الارتباطات التي وظفوها في خدمة دولهم، ومؤسساتهم في مساعيها الخبيثة، وحقيقة الحقد، والهوى، والتجني الذي اعتمدوه في دراساتهم للأمة ودينها وارثها الثقافي الحضاري.
ولكن القليل منها- الكتب- من وفق كل هذا التوفيق الذي وفقه الاستاذ الدكتور رشيد العبيدي في كتابه الرائع (الحركة الاستشراقية، مراميها، واغراضها) في الإلمام الشمولي الوافي والايجاز الكافي بالاستشراق تأريخاً وافكاراً وفلسفة، ومنهاجاً وواقعاً، فقد وضحه وفضح اهدافه السرية والعلنية وسرد تأريخه جميعه، وحدد اهدافه ومراميه وناقش ودحض الكثير، الكثير من طروحاته الفكرية في الدس على الأمة بروح علمية رصينة ثم اوجزه بخلاصة تامة لامة واخيراً حدد اهم ما ينبغي ان تنهجه الأمة وابناؤها ازاء هذه الظاهرة الفكرية الخطيرة، وكل ذلك بأسلوب ورؤية أبعد ما تكون عن التشنج والتعصب او اللجوء الى ذات اساليب المستشرقين في الكذب والدس والافتراء على الأمة وارثها الانساني (فكان الكتاب في مباحث موزعة بين التعريف بالمستشرقين والمبشرين، وتأريخ وجودهم والاهداف العامة والخاصة للاستشراق ثم الموضوعية والانحراف في مواقفهم ثم الموضوعات التي تناولوها بالبحث، كالدراسات العلمية والثقافية، والعربية وآدابها ثم الفقه والشريعة ثم العقيدة والفكر الاسلامي فالتأريخ الإسلامي والتراث فالعلوم والمعارف ثم المجتمع والامة).
وزع الكتاب الى مقدمة واربعة فصول ثم خلاصة وجيزة بالكتاب ومحتوى وكشاف بالاسماء والمصطلحات التي ذكرت في مادته، بلغ عدد صفحاته (168) صفحة من القطع الكبير.
في الفصل الاول حدد المؤلف الحركة الاستشراقية وبين العوامل التي ادت الى نشوء وبروز هذه الظاهرة التأريخية وشدة وطأتها- استقراءً للنتائج التي تربت عليها- على امتنا العربية والاسلامية ويؤكد في هذا السياق ان الطبيعة الاستعلائية المتأصلة في الأوروبي في نظرته للاخر هي من اهم الاسباب والعوامل التي دفعت بالاوروبي الى شن هذه الحملة التزييفية الشعواء لتأريخ وارث الامة ثم هذه الحروب العنصرية بمسمياتها المختلفة في التأريخ التي شنت تباعاً على الامة (فعقدة الاوروبي انانيته لا تحتمل ان ترى شعباً لم يرتق- في عرفهم ومعتقدهم- الى مستوى شعوبهم وهو الشعب العربي البدوي يخرج من الجزيرة، لا يمتلك من وسائل تنقله إلا الفرس والناقة والجمل ولا يمتلك من الامجاد الحضارية الا بعض شواهد في اليمن وشمال الجزيرة ثم يحمل رسالة سماوية، يبشر بها رجل عربي أمي، يكون أمة، وجيوشاً وقوة خارقة تمتد بفاعليتها وعنفوانها فتصل شرق الارض على حدود الصين والى غرب الدنيا على حدود البرتغال الغربية...).
وفي الفصل الثاني بحث المؤلف اهداف المستشرقين وارتباطاتهم بالحركة الاستعمارية والتبشير، وطبيعة الدور الذي أدوه في شن الحروب والهجمات على أوطان وديار المسلمين وخاصة في تأريخنا الحديث هذا، وحقيقة الاستشراق وموضوعه، واغراضه، ثم تناول في حيثيات الفصل أهم تلك المواضيع التي تداولها الاستشراق، والتي يمكن ايجازها بالاتي: الشريعة الاسلامية، والفكر العربي والاسلامي، والعقيدة والفكر والتأريخ والفلسفة الاسلامية، والمجتمع الاسلامي والامة.
وفي الفصل الثالث تناول المؤلف في كتابه طبيعة الشخصيات الاستشراقية، واهتماماتها ثم حدده في اربعة اهتمامات رئيسية اولها:
المستشرقون والنبي (صلى الله عليه وسلم) وثانيها المستشرقون والقرآن الكريم والتي أتى فيها على ذكر مقدمة جونسون في كتابه (القرآن) كاملة تلك المقدمة المعبرة وبكل جلاء عن حقيقة الاستشراق في دسه وتزييفه وافترائه على الأمة وارثها وكتاب الله ونبيه فيها، ولا بأس ونحن على ذكر تلك المقدمة من نقل بعض اسطر منها لإبانة وتوثيق مدى الحقد والكراهية التي يكنها هؤلاء المستشرقون للاسلام وأهله ونبيه وكتاب الله فيه يقول: (وبغض النظر عن ترتيبه اللاعقلاني فالقرآن ليس كتاباً بقدر ما هو مجموعة من البيانات بالاهداف والنقد السافر والخطابات الرنانة والفروض والاحاديث والمواعظ وما شابه ذلك من العينات التي تقتضيها المناسبات...) وثالثها- الاهتمامات- المستشرقون واللغة العربية، اما رابعها فهو ما أسماه- المؤلف- اصطلاحاً بالمستغربين، أولئك النفر الضال من ابناء الامة الذين تتلمذوا على يد المستشرقين ثم حملوا عنهم كل رؤاهم وطروحاتهم في الاساءة لأمتهم، كداود جلبي، وابراهيم حمودي، وعبدالكريم الصراف ، وهاشم الحلي، وعبدالكريم الوائلي، ومتي عقراوي، ومنير القاضي، ولويس عوض، وسعيد عقل، وأنيس فريحة، وآخرين كثير غير هؤلاء.
أما الفصل الرابع فقد خصصه المؤلف لاستعراض افكار ورؤى وطروحات بعض المستشرقين من أمثال كارل بروكلمان، والمبشر رويمر، وكليما هوار ومونتغمري واط، وغوستاف لوبون، وكولد زيهر، وتيودورنولونه، واوكست فيشر.
وفي نهاية الكتاب اتحفنا المؤلف- جزاه الله خيراً عنا- بخلاصة تامة شاملة عن الاستشراق ومثلما حددت سلفاً في فصول الكتاب الاربعة ثم طرح فيها وجهة نظره في اهم السبل التي ينبغي للأمة ان تاخذ بها في مكافحة (أرضة الاستشراق هذه) وصد سمومها عن الامة.
يعتبر الاستاذ الدكتور رشيد العبيدي تلك الخطبة التي القاها البابا (أريان الثاني) اشد الاوروبيين تعصباً على الاسلام واهله في جنوب فرنسا وفي المكان الذي بلغته الفتوحات الاسلامية لإثارة حماس الفرنسيين وامراء الاقطاع في اوروبا للقيام بحملة عسكرية باتجاه فلسطين وتكون تحت راية الصليب هي البداية الحقيقية للاستشراق والمؤلف بوجهة نظره هذه لا يريد ان يوافق الكثير من المؤلفين العرب والمسلمين وجهة نظرهم في اعتبار القرن الثامن عشر هو بداية الاستشراق العلمي والعملي وان وافقهم في اعتباره- القرن الثامن عشر- الانطلاقة الحقيقية للاستشراق.
ثم يشير بعجالة الى ذلك المؤتمر الغريب الذي عقده أربعة من رجالات اوروبا سنة (1450) هم جون أوف سيغوفيا، ونيكولاس أوف، وجان جرمان، ودانياس سفليس والذي استمر معقوداً لعشر سنوات متتالية ليخرجوا بنتيجة فحواها ان الاسلام كدين منتحل ما سبقه من الديانات السماوية (الدين المسيحي تحديداً) وعلى عاتق اوروبا تقع مسؤولية رد المسلمين بالقوة وبالسيف عن دينهم واعادتهم ثانية الى اعتناق المسيحية بدلاً عنه.. ولا يفوت الدكتور العبيدي ذكر ان نابليون بونابرت في حملته على مصر كان قد اطلع على حركة الاسلام والمسلمين في كتابات الرحالة الفرنسي كونت دي فوليني (رحلة الى مصر وسوريا) و(نظرات للحرب الراهنة للاتراك).. واخيراً يعدد المؤلف ثلاث مراحل تأريخية كان الاستشراق قد مر بها في تأريخه: أولها: طلائع من رجال اوروبا قصدت الشرق مبهورة بما يمتلكه من ثقافات وعلوم ومعارف ومجد حضاري.
وثانيها: بعد الحروب الصليبية توجه عدد غير قليل من الاوروبيين بدوافع مختلفة وأغراض محددة، وعلى راس تلك الاغراض السيطرة على الشرق الاسلامي.
اما ثالث تلك المراحل، فهو استخدام القوة العسكرية والكشف عن صراع جاد بين اوروبا الصليبية والشرق الاسلامي لتحويله الى تابع ضعيف مسخر.
وفي الفصل الثاني تحديداً بين المؤلف اهم الاهداف التأريخية العقائدية التي تبنتها حركة الاستشراق الاوروبية، والتي يمكن ايجازها بما يلي:
1. السيطرة الاستعمارية
2. الهدف التبشيري
3. السيطرة التجارية الاقتصادية
4. الاهداف المعرفية.
واذا كان ادوارد سعيد المفكر العربي المعروف يكثر في كتابيه عن الاستشراق رواية (قلب الظلام) في تبيان مفهومية الاوروبي من الشعوب التي استعمرتها الدول الاوروبية في آسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية، فإن الدكتور العبيدي لا يفوته ذكر ذلك النشيد الذي تغنى به احد الجنود الايطاليين وهو يتوجه الى الشرق في احد جيوش ايطاليا لغزو ليبيا والذي يعبر هو الاخر وبتلقائية واسعة عن طبيعة المفهومية التي كرست في ذهنية الاوروبي عن الشرق الاسلامي في الحروب المتتالية التي شنتها اوروبا عليه (يا اماه اتمي صلاتك ولا تبكي بل اضحكي، وتأملي الا تعلمين ان ايطاليا تدعوني- وانا ذاهب الى طرابلس مسروراً فرحاً لابذل دمي في سبيل سحق الأمة الملعونة... وان سألك احد عن عدم حدادك فاجيبي انه مات في محاربة الاسلام).
ولعل ما يميز اسلوب ومفهومية المؤلف الدكتور العبيدي هي تلك الموضوعية والشمولية التي اتسمت بها مادة الكتاب فهو، ورغم هذه العدوانية الفجة والحقد الاعمى والكذب الاسود الذي اتسمت به كتب ومؤلفات المستشرقين في دسهم على الامة لم يلجأ في الرد عليهم الى ذات اساليبهم، بل استعرضها بعلمية فذة، ونقدية عميقة ثم دحضها جميعاً، وما ذكره لمقدمة جونسون في كتابه (القرآن) والتي اتينا على ذكرها في بدايات مقالنا هذا الا دليل واحد من ادلة كثيرة فيما قلناه عن هذه الموضوعية التي اتسم بها الكتاب في مناقشة الآخر دون اللجوء الى ذات اسلوبه ومنهجه في الافتراء والدس والكذب، وهذا اسلوب علمي رصين واثق تمام الثقة من طروحاته ورؤاه الفكرية في مجادلته ومناقشته للاخر..
ولعلي لا اجانب الحقيقة ان قلت ان هذا الاسلوب منبثق من اسلوب القرآن الكريم في مجادلته للاخر، فالقرآن الكريم في مجادلة اهل الكفر والنفاق والاهواء الفاسدة لا يتورع عن ذكر دعاويهم واباطيلهم كاملة وغير منقوصة ثم يناقشها بهدوء وتروٍ فيدحضها الواحدة تلو الاخرى ((وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولداً)).
((وقالت اليهود يد الله مغلولة، غلت ايديهم)).
كم كان بودي لو أن الدكتور العبيدي اتى في فصل خامس، وقد كشف الاستشراق ومراميه واغراضه ان ياتي على ذكر اولئك المستشرقين الذين قرأوا الاسلام لمحاربته لكنهم وحين صدمهم نور حقيقته واعجازيته وعظمته ونبوة هذا النبي الكريم لم يزيغوا كما زاغ الكثير من اقرانهم، بل اعلنوها للعالم دون خوف ولا وجل ومجردة عن كل هوى او غرض (ان لا اله الا الله وان محمداً رسول الله)، فاسلموا مثل محمد أسد (ليوبولد فاس) و(رينيه جينو) و(موريس بوكاي) و(الكونت هنري دي كاسترو) و(اللورد هيللي) وعشرات بل مئات غير هؤلاء.
واخيراً اقول ان هذا استعراض لا يغني عن قراءة الكتاب شيئاً انما هو اشارة له واعلان عنه، وتحفيز للقارئ الجاد على قراءته والاستمتاع به.