الحـــــيـاء   عدد القراء : 549   .


فمَن لبِسَ ثوب الحياء، استوجَب من الخلق الثناء، ومالَتْ إليه القلوب، ونالَ كلَّ مرغوب، ومَن قلَّ حياؤه، قلَّ أحباؤه.
د. علي محمود عكام

الحياء حُلَّة جمال، وحِلْية كمال، يُحْتَرم في عيون الناس صاحبُه، ويزداد قَدْره، ويَعْظُم جانبه، فإذا رأى ما يكره غضَّ عنه بصره، ما رأى خيرًا إلاَّ قَبِله وابتدَره، أو أبصَر شرًّا إلاَّ تحَاماه وهجَره، يتحاشى البغي والعدوان، ويحذر الفسوق والعِصيان، يخاطب الناس كأنَّه منهم في خجلٍ، ويتجنَّب محارم الله - عزَّ وجلَّ.
فمَن لبِسَ ثوب الحياء، استوجَب من الخلق الثناء، ومالَتْ إليه القلوب، ونالَ كلَّ مرغوب، ومَن قلَّ حياؤه، قلَّ أحباؤه.
ذاك هو أصل الحياء، وأخلق به أصلاً جامعًا مانعًا، ولا سيَّما وقد عدَّه النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - خُلق الإسلام الأنبل، وعدَّه كذلك شُعبة من شُعَب الإيمان، بل خصَّه دون سائر الشُّعَب بجملة بيانيَّة مفردة؛ إعلاءً لشأنه، وتنويهًا بأصالته وخُطورته، فقال في الحديث الشهير: (والحياء شُعْبة من الإيمان)، وما زال يُشير إليه ويُشيد به، حتى قال ذات مرة وقد سُئِل: يا رسول الله، الحياء من الدين؟ فقال: (بل هو الدين كله) (فإذا رُفِع الحياء، رُفِع الدين)، ومِنْ ثَمَّ كان الحياء كما الدين؛ (لا يأتي إلا بخير)، و(ما كان في شيءٍ قطُّ إلاَّ زانَه)، ومن هنا سُمِّي المطر المغيث، وللخصب حياءً أو حَيا، فبه تَحيا الأرض اليباب، كما تحيا القلوب بخُلق الحياء:
سَقَى الرَّحْمَنُ قَبْرَكَ
      غَيْثَ رُحْمٍ وَجَادَ أَدِيمَ مَثْوَاكَ
 الْحَيَاءُ سَقَى اللهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ ثَرَاكَ
     حَيَاءَ السَّمَاءِ وَأَمْطَارَهَا
والحياء المنشود في سياق التعايش الإنساني هو: انقباض النَّفْس عن القبائح، أو كفُّ الإنسان عن القبائح كافَّة؛ إن صونًا لمعنى إنسانيَّته، أو تحقُّقًا لمعنى عبوديَّته، وله ثلاثة حوافز، أو ثلاث شُعَب باعتبار الجهة المستحْيَى منها:
1-الشُّعبة الأولى: الحياء من الله:
وحافزه مراقبة الله - جل شأنه - وتذاكُر قُدرته الغالبة، واستحضار آلائه السابغة، واستشعار التقصير والتفريط في جَنب تلك الآلاء العُظمى، مَهْمَا تعاظَم اجتهاد الإنسان، وسَمَا مقامُه، وكَثُر عطاؤه.
وفي ذلك مَدْرأة لمسلك الكبر المهلِك، أو الصَّلف المقِيت، وخلْعٌ لإزار التعالي الذي لا ينبغي إلا لربِّ الناس، المتفرِّد بالإفضال والإمداد، فحَرِيٌّ بِمَن عداه إذًا أن (يستحيي منه حقَّ الحياء).
2-الشعبة الثانية: الحياء من الناس جماعة وأفرادًا:
وحافزه قوَّة معنى الإنسانيَّة في الإنسان، إذ يستشعر استواءَه وسائر الناس في حقِّ الوجود، وتُشاركه وإيَّاهم في تعاطي أسباب الحياة، وأنَّ التفاضل بينهم ما هو إلا تفاضُل وظيفي لا قِيمي، قائم على سُنَّة التسخير واحتياج الناس بعضهم بعضًا؛ (َحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا).
وفي ذلك مَدْرَأة لمسلك البخس المطغي؛ لكيلا يكون الفضل والتحضُّر دُولَة بين مجتمعات بعينها من الإنسانيَّة العامة، ولئلا ينقص إنسان حقًّا؛ معنويًّا كان أو ماديًّا؛ (وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ).
3- الشعبة الثالثة: الحياء من النفس: وحافزه لحظُ جانب القصور والمحدوديَّة في كلِّ ما يأتيه الإنسان أو يُؤْتَيَه، مثل:
استذكار الجزئية اليسيرة التي يَشغلها الإنسان ضمن كليَّة الوجود؛(وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا).
أو إدْراك موقوتيَّة المدة التي يَحياها الإنسان من عُمر التاريخ؛(كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ
أو وعْي النسبيَّة التي طُبِعتْ بها علومه ومعارفه، واستصغار ذلك كلِّه واستقلاله بجانب جلال كلمة (الحقيقة المطلقة)؛ (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا).
وفي ذلك مَدْرَأة لمسلك العجب المعمِي والمصم؛ إذ ليس يغني الرأي أو الجهد الغرور - مَهْمَا بلغا - عن الإنسان المعجب بهما شيئًا، بل يغدو كالمسابق ظله، لا يَلبث أن يَضيق بذات نفسه، حائرًا ضَجِرًا؛ (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ)، ثم لا ينتهي العجب بصاحبه؛ حتى يَسُدَّ دونه منافذَ الحياة، ويَحجب عنه آفاق التعارُف بكلِّ ما يُمكن أن تعود به على حضارة الإنسان من تآلُف ورُقِي، إلى أن يَرميه بوباء التحزُّب والتنافُر؛(كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ).