فدرالية تقسيم العراق   عدد القراء : 1097   .

ظهر مبدأ الفدرالية في مسودة دستور العراق الجديد الذي ولد بائساً وناقصاً ومشوهاً ولقيطاً بعد مخاض عسير، رافقته ضجة إعلامية واسعة، عجزت عن تحسين صورته وحقيقته، فظهر خبيثاً يكشف نوايا وإرادة الاحتلال وأذنابه بتقسيم العراق وتفتيته إلى دويلات طائفية وعرقية ومذهبية عن طريق الفدرالية التي هي خطوة على تأصيل التعصب وتعميق الخلاف وتشجيع الانفصال حسب الظروف الاقليمية والمتغيرات الدولية.
فالدولة الفدرالية هي دولة اتحادية تتكون من دولتين أو مجموعة من الدول لتحقيق مصالح مشتركة، لا تقوم على أساس طائفي أو عرقي يفسد الاتحاد ويضعف اللحمة ويدفع إلى الانفصال.
هذا النظام السياسي لا يكون بين دولة ومنطقة تابعة لها و خاضعة لسلطانها بحجة أن هذه المنطقة تتكون من قومية تختلف عن قومية غالبية الدولة كما هو حال العراق، فلو ادعت كل أقلية قومية أو دينية حق تأسيس دولة مستقلة لأصبح العالم في فوضى واضطراب، وصراع لا ينتهي أبداً.
ففي الاتحاد السوفيتي السابق وحده نحو مائة قومية، فهل من العقل والمنطق السليم أن تكون فيه مائة دولة؟!.
وليس يوجد تناقض بين الفدرالية والنظام المركزي أو الدولة المركزية، وانما هما تنظيم لاقامة علاقة اتحادية بين الاقاليم ودولة المركز، كما هو في الولايات المتحدة الأمريكية، فإن فدراليتها قامت على أساس ديموغرافي وليس على أساس ديني أو عرقي.
وكذلك لا تتناقض الديمقراطية مع النظام المركزي، إذ أن فرنسا دولة ديمقراطية وهي دولة نظام مركزي، ومثلها ايطاليا والهند وأكثر دول أوربا يحكمها النظام المركزي، ومع ذلك فانها ديمقراطية المنهج والتوجه.
إن مؤامرة نحر العراق الجريح في ظل الاحتلال البغيض وأذنابه باتت تعمل على تمزيق هذا البلد وانهائه والوصول إلى ما لا تحمد عقباه، ولو كان الثمن ذبح الشعب وتدميره وتمزيقه عن طريق فدرالية تقسيم العراق، والتأكيد عليها بتقاسم الثروات فهو التقسيم الحقيقي للبلاد أيضاً، لتصبح الدولة المركزية الواحدة مجرد كيان هش يتلاعب بمصيره أذناب الأمريكان والصهاينة لتحقيق أكبر قدر من الكسب في هذه الغنيمة لتكوين دولة فدرالية ثلاثية تقوم على أساس طائفي وقومي في الشمال والجنوب والوسط، وستؤدي إلى ايجاد مناطق إدارية تملك نوعاً من الاستقلال الذاتي خاصة بالاقليات الأخرى داخل الدولة ((كانتونات)).
وبذلك يتمزق العراق ويقطع لتحقيق الأهداف المشتركة للتحالف الأمريكي الصهيوني مع أحلام الفرس وأطماعهم، وهذا بالاساس هدف صهيوني إذ أن الصهيونية كانوا أول من أطلق فكرة إن العراق دولة مصطنعة، وان تركيبتها الاساسية التي تبلورت عام 1920 كانت تركيبة خاطئة ولا بد من اعادة صياغته وفق تقسيمات طائفية وعرقية.
فقد تحدث بها المؤرخ الاسرائيلي (بيني موريس) في لقاءات للاذاعات الأمريكية قبل الحرب على العراق قائلاً ((بان العراق دولة مصطنعة رسمها الانكليز وخلط فيها عشوائياً شعوباً وطوائف لا تريد في الحقيقة ان تتعايش مع بعضها)).
كما تحدث عنها المؤرخ اليهودي الأمريكي (برناردلويس) معتبراً أن العراق هو دولة مصطنعة، وان احتلاله فرصة لتصحيح هذا الخطأ الذي ارتكبه البريطانيون، أي تفكيكه إلى عدة دويلات بحسب الطبيعة السكانية، وانتماءاتها الدينية والعرقية.
ونشرت مجلة (كيفونيم الاسرائيلية) مقالاً للمنظمة العالمية الصهيونية بالقدس (العدد 14 شباط 1982) جاء فيه عرض لاسترايجية إسرائيل في الثمانينات لتقسيم وتفتيت وتجزئة الدول العربية إلى اقاليم جغرافية متباينة على أساس عنصري أو ديني، وأعطت الأولوية إلى تفكيك العراق الذي يمثل على الأجل القصير أخطر تهديد لإسرائيل.
وقد علق عليه الفيلسوف الفرنسي المسلم (روجيه غارودجي) قائلاً: (وفي هذا النص كشف واضح للاساليب التي تنوي إسرائيل اتباعها من أجل التدخل المنظم والعام ضد أنظمة الحكم في جميع البلدان العربية بغية تفكيكها وتفتيتها مما يتجاوز نطاق كل الاعتداءات السابقة، ومشروع بمثل هذه الضخامة تؤيده الولايات المتحدة الأمريكية تأييداً غير مشروط وغير محدود..)) ملف إسرائيلي، دراسة للصهيونية الاساسية، ص 160-163.
إن مشروع الفدرالية في العراق نقيض لرابطة الدين والدم واللغة والثقافة والمصالح والاهداف المشتركة، وقد يؤدي إلى حروب أهلية وفتنة كبرى لا يعلم مداها إلا الله، وسيخسر العراقيون جميعاً كما خسرت الأمة من قبل في اتفاقية (سايكس بيكو) المشؤومة سنة (1916) التي مزقت امتنا شر ممزق، وقطعت أوصالها وأصبحت فريسة للاستعمار تلتهمها بكل شراهة ووحشية ببدعة القوميات والموالاة والتبعية،  ولا زالت تعيش آثار هذه المؤامرة الاستعمارية وتئن من وطئتها ذليلة في دويلات صغيرة وضعيفة ترزح تحت وصاية الاستعمار وهيمنته إلى يومنا هذا.
إن هذه الرؤية التجزيئية للمجتمع العراقي تعبر عن هوس تحكمه العواطف وردود الافعال وضيق الافق والمزايدات السياسية وقوى الاحتلال وأذنابه لنحر العراق وأهله بيد جزار كافر صليبي، ولكن العملاء الخونة من الساسة لم يستفيدوا ويعتبروا بحوادث التأريخ ((ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم)).