دروس تربوية في حياة الأنبياء   عدد القراء : 1352   .


إن رحلة المسلم إلى الله ينبغي أن تكون طاهرة ونقية وطيبة لينال جنة الله ورضوانه قال تعالى: ((سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ)) رحلة مجردة عن الاهواء والمناصب ومطامع المال وان يترفع عما يكون سبباً لتأخيره بالتفات القلب وتعلقه به.
ان الإنسان في الحياة الدنيا يبحث عن المال وعن الخلود في الأرض، وأراد الشيطان ومنذ القدم أن يلعب دور الدال والهادي لهذين الهدفين في رحلته صوب الضلال والاضلال قال الله تعالى عن الشيطان ((قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى)) فكان الاخلاص سبيل الخلاص لآدم والاعتصام بالله سبب توبته ونجاته.
والقرآن الكريم يصرح بأن الكل لا ينجو وان هناك من يسقط في حبائل الشيطان وشركه قال تعالى: ((وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنْ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ)).
وسورة الكهف أعطت اشارات تربوية واضحة لأصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم) وهم يستعدون للهجرة المباركة صوب المدينة وأعطت لنا دروساً من بعدهم في التجرد إلى الله والعمل لله لا العمل من أجل الدنيا وحطامها.
فهذا موسى عليه وعلى نبينا أفضل صلاة وأتم تسليم يعرض أخذ المال على صاحبه مقابل بناء الجدار فكان ذلك سبب الفراق بينهما، قال تعالى: ((فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (77) قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ)).
والذين لا يفقهون قولاً عرضوا على ذي القرنين المال من أجل بناء السد وتخليصهم من الظلم والظالمين فنظر إلى ما أكرمه الله به من نعمة لتتهاوى أمامها أموالهم، قال الله تبارك وتعالى عنه وعنهم ((قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (94) قَالَ مَا مَكَّنَنِي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ)).
وهذه بلقيس أرادت ان تصد سليمان (عليه السلام) عن الفتوحات ونشر دين الله في أرضها بهدية فما زاد سليمان عليه السلام بذلك الا تمسكاً بأمر الله وجرأة على اعداء الله ((فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِي بِمَالٍ فَمَا آتَانِي اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ)).
وسيد الاولين والآخرين (صلى الله عليه وسلم) كان السقف المرتفع في الثبات على أمر الله واحتقار متاع الدنيا وزخرفتها اذ أجاب قومه يوم ان عرضوا عليه الدنيا وأموالها ولذاتها لترك أمر الدعوة والتبليغ، فقال لعمه (والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن اترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو اهلك دونه).
ولما مال (الرحمة المهداة) صلى الله عليه وسلم قبل نزول الوحي إلى رأي بعض قومه في مشورته لاصحابه في أسرى بدر في أخذ الفذاء لتقوية اصحابه الذين يعانون الفقر، فرض عليه العذاب كأدنى من شجرة كانت قربه -لولا كتاب من الله سبق-.
وليس على الدعاة المخلصين والمجاهدين المثابرين ان يرتفعوا عن الشبهات المادية فحسب، بل ان يعطوا من أموالهم من أجل الثبات على منهجهم وتحقيق النصر في معاركهم الشاملة والقاسية، وانظر رحمك الله كيف ارتقى أبو بكر الصديق وعثمان بن عفان رضي الله عنهما بالانفاق في سبيل الله فجاءوا بأموالهم في تجهيز الغزوات وفيالق الغارات في أوقات العسرة والازمات على ألوية الغدرات فنالوا ارفع الدرجات.
فيا من في ماله يتنعم وفي شهواته يتنهم، اعدد جوابا لمالك من أين اكتسبته وفيم انفقته، فاذا كان الانفاق في الحلال لدحر الاحتلال وكسر أهل الضلال فروح وريحان وجنة ذي الجلال المتعال.
وأعاذنا الله واياك ان كانت سوى ذاك، قال عز وجل: ((فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى* وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى* وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى)).