| اقول لكم   عدد القراء : 385   . عبد الرحمن فاضل عفوية اللغة نشات اللغة مع البشر، وظهرت بظهورهم لتكون وسيلة التفاهم والتعايش فيما بينهم ومع من حولهم من المخلوقات. وسواء كانت هذه النشأة (توقيفية) من عند الله تعالى علمها ادم (عليه السلام) ام كانت (اصطلاحية) اخترعها البشر وتطورت تدريجيا حسب حاجاتهم، فإن اللغة شاعت وتفرعت الى شعب استقل كل واحد منها ببني جنسية حتى غدت سمته المميز له فهذا (عربي وذاك هندي وغيرها اسباني... وهكذا) وان اعددتها اعياك العد لكثرتها. ونحن في غالب حديثنا في مقامنا هذا نتمحور حول (لغتنا العربية) كونها (الاعظم) ولاننا اهلنا واعلم الناس بأحوالها ويهمنا امرها - رغم البعد الذي حدث بيننا وبين اللغة- ويأتي هذا السبب ضمن الاهم في حوارنا أيضاً. واليوم سنقف عند (عفوية اللغة) والعفوية بمعناها اليسير انها في متناول ناطقيها ليس فيها - طبقية - تقتصر على اناس بعينهم او حدود لا يمكن تجاوزها لنتعلمها، بل هي لغة مشاعة ميسرة ليس فيها ذلك التصنع والتمشدق الذي يخلقه بعض معلمي (الفصحى) او الداعين لها.انها لغة رقراقة تنساب على القلوب والعقول قبل ان تلفظها الالسن. ذلك انها - كائن حي - لا بد ان نتعامل معه على هذا الاساس وان نتصاحب معها يدا وقلبا في مسيرة ابدية بدل ان نجعل بيننا وبينها شقا يكون من العسير معه ردم هذا الفراغ الكبير، ما يجعلنا نتباعد اكثر مما نتقابل. هذه (العفوية) تصطدم اليوم مع حاجزين يعيقان سُنّة تطورها وحيويتها اللذين هما رمز اللغة عموما. وهذان العائقان هما؛ - اولا (طريقة استخدام وتعليم اللغة): فأصحاب الفصحى حين يرومون تدريسها تعاني طرقهم - ضعفا وشدة معا، فهي ضعيفة كونها لا تقترب من قلوب وعقول متعلميها بسبب غياب الاسلوب السليم لايصالها الى المتلقي، اما الشدة فتكمن في تقعر وغلظة الاداء فترى احدهم ( اي المعلمين للغة او الداعين لها) ينطق بالحروف كأنه بلع شيئا او غص به من شدة تكلفه وتصنعه وهذا مأخذ عظيم يؤدي الى نفور واشمئزاز الاخرين!. وهذا ليس افتراء على احد وليس امرا سمعته او قرأته بل هو حقيقة عشتها وعاشها غيري، فقد كنت انظر بعين الناقد لما يفعله اولئك الناطقون لحروف اللغة وكأنهم يأكلونها وليس يلفظونها حتى مجتها اذني وعقلي ولساني، وايقنت ان الفصاحة هي (لغتنا) وليس شيئا دخيلا او جديدا علينا - رغم وجود فجوة بيننا معها- الا اننا اذا تبصرنا في حال لساننا قليلا لما صعب علينا تعلم ونطق الفصحى بشكلها العفوي الصحيح حتى لو لم نحقق الفصاحة. وما احكام اللفظ الصحيح للحروف من (ادغام وإظهار وإخفاء وإقلاب وهمس وجهر وتفخيم وصفير) حتى بعض اللهجات العربية القديمة (الشاذة) الا ونجد لها مكانا ومستقرا في لغتنا المحكية لكننا ابتعدنا بحكم الزمن الذي هيأ لأسباب فرعية اخرى :- كـ(الاحتلال والغزو الفكري وبعض دعاة التغيير والحداثة وبعض من دعاة الفصحى والداعين لها ايضا). فهذه الاحكام اللفظية لا تسقط عن اللغة بأي حال وهي لا تحتاج تكلفا وتصنعا لاستخراجها بل يكفيها التأني والروية ثم (الموجّه) الرؤوم الناصح البليغ في ايصال ما خفي او نسي منها. وثانيا/ (الجهل باللغة) حاول دعاة الفصحى فرض لغة ليس لها ارتباط لا من قريب ولا من بعيد بالعامية وجعلوا من الفصحى لغة اخرى وعابوا كل ما في العامية من استخدامات بل نفّروا الناس منها واعلنوا حربا عليها. ونسوا او تناسوا ان في العامية بقايا كثيرة وجذوراً ملتصقة بالفصحى واذكر هنا امثلة لا على سبيل الحصر كمثل (كاغد، وبير، ومية دينار، والامالة في الاسماء المنتهية بألف كدنيا وموسى وعيسى وهي لغة اهل الشام اليوم) اضف الى ذلك وجود الكثير من الاساليب الفصيحة في العامية اليوم كـ( الاختصار والحذف والمجاز والاطناب والمبالغة) وغيرها مما يطول شرحه في هذا المقام. هذا الجهل باللغة ولدّ حالة من الخوف لدى المتعلمين مفادها:( ان اللغة صعبة شاقة) بل تعداها الى كره اللغة الذي لم يخفيه من سئل عن رأيه في العربية الا وقال، (لا احبها انها صعبة؟) وهذا جعل اللغة الفصحى خطرة وشاقة على من اراد تعلمها وبذلك ابتعد الناس عنها فضاعت العامية والفصحى. انا حين اكتب عن هذا الموضوع فانا لست ضد الفصحى، انما اردت الاصلاح في اسلوب تعليمها مما شهدته انا وغيري. لنتبصر في الامور قبل الخوض فيها ولنحكم عقولنا وما فيه فائدتنا ولنجعل نصب اعيننا الفائدة للجميع بأحسن اسلوب. |