اتركوا لنا بلدنا وارحلوا   عدد القراء : 1083   .

حريٌ بكل من يريد أن يعرف كيف تفكر الإدارة الأمريكية العالقة في أوحال المستنقع العراقي أن يطّلع على مقال ( توماس فريدمان ) المقرب من تلك الإدارة، والذي نشره في (نيويورك تايمز) والذي نردّ هنا  على ترجمةٍ لذلك المقال والمنشورة على موقع صحيفة الشرق الأوسط عدد رقم 9802 في2005/9/29  * لمن يريد الرجوع اليه... المقال هو في الحقيقة صرخة تذمر تخلو مما اعتدنا عليه من الصحفيين و المحللين الغربيين من موضوعية ونفس تحليلي هادئ ورصين...

قد جاء المقال من عنوانه (صرخة) يمكن النظر اليها بعدة أوجه ، ذم ،أو تهديد ، أو وعيد وأحيانا حتى استنجاد !! هكذا جاء بعنوان (سنة العراق: ماذا تريدون بحق السماء؟!) والمقال فعلا قد حوى كل ذلك.ولكي نرد على مقال السيد فريدمان وما جاء بعنوانه من تساؤل فقد وجدنا أن المقال يدور في ثلاثة محاور:
الأول:توجيه الذم و الشتيمة المباشرة للوطنيين العراقيين المقاومين للاحتلال- بشتى الطرق السلمية وغير السلمية - وهم الذين يخاطبهم أحيانا (بسنة العراق) أو (السنة) ولا يتورع عن التهجم العلني على (العالم العربي السني) مع تقصده في الضرب على الوتر الطائفي مباشرة دون مواربة في ما يتعلق بالشأن الداخلي العراقي لأسباب لم تعد تخفى على أحد.
المحور الثاني: التهديد والوعيد لهؤلاء الوطنيين كي يكفوا عن مقاومتهم للاحتلال و إلا...!
أما المحور الثالث :فهي بعض الاعترافات التي يجدر بنا أن نشكر السيد فريدمان عليها لأنه لم يبخل بها علينا.
في محور الشتائم سنتجاوز صيغة عنوان المقال التي تحمل تذمره ممن سماهم (سنة العراق) لنتحول الى فقرة افتتحها بشتيمة للسنة العراقيين اتهمهم فيها ،بل كل العالم السني ،أنهم لا يملكون مرجعية أخلاقية حيث قال:(هل يدرك السنة العراقيون مصالحهم،وهل للعالم السني أي مرجعية أخلاقية؟) ويكرر الاتهام نفسه في فقرة أخرى حين يعزو ترنح الأمريكان في العراق الى سببين أحدهما هو (..بسبب الفراغ الأخلاقي في العالم العربي السني..) وتتعجب من مدى الخلط الكبير الذي يقع فيه الكاتب حينما يقصر (السنة أو السنة العراقيين) على فئتين فقط (البعثيين ،والجهاديين السنة) وينصّب نفسه حاميا للفضيلة باعتبار أن طموح هؤلاء بزعمه هو :(..استعادة النظام الذي كان يهيمن عليه السنة في العراق..) وفي فقرة أخرى يصفه بأنه (..نظام أقليةٍ سنيةٍ في بغداد مدعوم بسلاح النفط..) مستمرا بالضرب على الوتر الطائفي البغيض ومعطيا لنفسه الحق بتقسيم الشعب العراقي الى أقلية وأكثرية كما يحلو له و يشتهي دون دليل علمي او إحصائية موضوعية.
(فالسنة) هكذا يسمّيهم ، هم بزعمه أقلية، وهو يدافع عن الأكثرية وهم (الشيعة والأكراد) الذين يمثّلون ،برأيه 80% من سكان هذا البلد.. ويبدو أن الكاتب لا يعلم او لا يريد أن يعلم أن سنة العراق يتشكلون من ثلاث قوميات رئيسية (عرب وأكراد وتركمان) فهم أكثرية وأن الكاتب يبني افتراضاته على أوهام ما أفرزته انتخابات 30 كانون الثاني التي أشرف عليها الإحتلال والتي قاطعتها مكونات واسعة من العراقيين (عربا وأكرادا و تركمانا، سنةً و شيعةً، وتيارات قومية و ليبرالية وطنية وإسلامية) ولا يفرق بين بعض القيادات والأحزاب وبين المكونات الحقيقية للبلد فهو يردد مجافيا للواقع ومصراً على أوهامه قائلاً (..ولذا نحن نعرف نوعية الأغلبية التي يريدها كل من الأكراد والشيعة والسؤال الآن ما هي نوعية الأقلية التي يريدها السنة ؟..) ..وآخر ما نذكر من (مذمّةٍ) جاء بها المقال، وصفه لما تقوم به المقاومة الباسلة من أعمال بأنها (..حماقات محرجة لرامسفيلد..) وجيشه!
و ننتقل إلى محور التهديد والوعيد فهو يحذر الأقلية السنية من التشبه بالفلسطينيين الذين لا زالوا يقاومون الاحتلال الصهيوني لأرضهم ويضرب بهم الأمثال قائلا (..هل يريدون أن يصبحوا مثل الفلسطينيين ويقضون المائة عام القادمة يحاولون تحريك العالم العربي و الإسلامي لتغيير مسار التأريخ؟..) وهو سؤال وجيه موجه الى العالم العربي و الإسلامي النائم !ولا تعليق على التهديد المبطن..  ثم يأتي بذات الفقرة التهديد العلني للعرب السنة (.. وهي خطوة ستدمرهم وتدمر العراق ..) ثم يعود ويعد العرب السنة بمكافآت اذا ما قبلوا بالدستور ولم يسعوا الى إفشاله مثل دعم عرب الجنوب ضد الهيمنة الإيرانية المتنامية هناك مع حصة أكبر في كعكة الحكم في بغداد فيقول (..ويمكن دعم هذا الاتجاه فقط إذا ما احتضن السنة الدستور الجديد وسمحوا لواشنطن بمنح السنة قطعة أكبر من الحصة.)!! هكذا بالنص.
ماذا اذا لم يحصل تجاوب من سنة العراق؟ الجواب سيكون معاقبتهم بإدخال البلاد في أتون حرب طائفية؟كيف؟يقول المقال:(واذا لم يحصل ذلك فاننا سنضيع وقتنا. يتعين علينا أن نسلح الشيعة و الأكراد،ونترك سنة العراق يحصدون الريح.)..وربما تكون هذه الجملة اخطر ما في المقال لمن يتأملها جلياً! ولكني أظن جازما أنه ليس العراق بكل مكوناته سيحصد الريح وسيخرج خاسرا من حرب أهلية تأكل الأخضر واليابس، بل المنطقة والعالم بأسره وحينها ستكون صورة امريكا قد اسودّت أمام العالم بعد فشلها في جعل العراق واحة للديمقراطية والرخاء كما وعدت!! وان شاء الله لن تكون هناك حرب أهلية الا في مخيلة الكاتب، لأن العراقيين متصاهرون سنة و شيعة،عربا وأكرادا و تركمانا ولا يوجد عراقي واحد يقبل أن يرفع السلاح في وجه أهله وذويه.
أما المحور الأخير ،محور الاعترافات،فقد بدأ بالاعتراف الضمني بأن المقاومة الباسلة تسبب مشاكل لصديقه رامسفيلد وجيشه حين أسماها(الحماقات المحرجة) كما سبق وأشرنا.
أما الاعتراف الثاني فهو يقر بأن (..شيعة العراق مهووسون بخوف الوقوع تحت سيطرة إيران،فهم ينتمون للعراق أولاً).
فلماذا إذن يتم إغفال عروبة (شيعة العراق) وكذلك إغفال أن العرب،سنتهم وشيعتهم،يمثلون أغلبيةً لها رأي صريح يتفق معهم اخوانهم التركمان وغالبية الأكراد في عدم قبول تفتيت العراق أو إضعافه أو تجزئته أمام رأي بعض القيادات الكرديةـ مثلا ـ او بعض الدول المجاورة كايران! أين خطيئة عرب العراق حين يرفضون دستوراً لا يعترف بهويتهم العربية بل ويمهد لتقسيم وإضعاف وطنٍ قويٍ في وسطه الإقليمي؟ أسوق هذا الكلام لأثبت أن العرب السنة لهم همومَ وطنٍ لا مطالبَ طائفية تخصهم كما يتوهم الكاتب.
أخيرا يأتي الاعتراف الأخير  حيث يقول:(..ولهذا نحن نترنح في العراق اليوم،ويعود أحد أسباب ذلك الى افتقار فريق بوش الى الكفاءة...) واذا كان الأمر كذلك فلم لا تعود لصديقك بوش وفريقه ليتزوّدوا ويتحلوا بالكفاءة السياسية و الأخلاقية المطلوبة،العراق يحترق بسبب تخبطكم، والمدنيون الأبرياء فيه يدفعون ثمناً غالياً.. هل تعلم أننا نتندر في مجالسنا على تصريح رئيسك بوش حين قال(سأجعل من العراق ساحة كبرى للحرب على الإرهاب) فيقول بعض الجالسين:نعم نعم سيحارب الإرهاب هنا حتى آخر قطرة دم عراقية!
 ختاما ، نحن لا نكره الشعب الأمريكي ولا نكره أحدا كما تظن بل نحرص على أرواح الأمريكيين والعراقيين الطيبين الأبرياء سواء بسواء و قرآننا يحرم علينا أن نعتدي إلا على من اعتدى علينا واحتل بلادنا و أرضنا ، وردا على سؤالك ( سنة العراق:ماذا تريدون؟)  الاجابة بسيطة: ان وطنيي العراق وسنة العراق يقولون لكم : دعونا وشأننا... اتركوا بلدنا لنا وإرحلوا !! فقط لا غير.