واقع العمل المؤسسي العربي.. وآفاق إصلاحه   عدد القراء : 1606   .

هذه الهيكليات التي اريد بها ان تسهم في تعطيل الارادة العربية وفي اعاقة فاعلية القرار العربي الموحد، وكأن المقصود من بنود الميثاق هوذر الرماد في العيون والايحاء ان هناك مؤسسة ترمز الى التضامن العربي وتمثل القرار السياسي العربي الموحد للالتفاف على اية محاولة اتحادية وحدوية عربية يمكن ان ترى النور آنذاك خصوصاً وان ظروف تلك المرحلة كانت مهيئة لظهور محاولات من هذا النوع نتيجة النشاط الفعال لقوى التحرر في البلدان العربية وكذلك فان المد القومي كان طاغياً في تلك المرحلة.

لقد ولدت مؤسسة جامعة الدول العربية وهي تحمل في داخلها بذور الضعف في آليات صنع القرار وبطبيعة الحال في وسائل تفعيل القرارات وتنفيذها، كما انطوت فقرات وبنود ميثاقها الذي وقعته ابتداء سبع دول هي مصر والعراق وسوريا والسعودية والاردن ولبنان واليمن على الكثير من المعوقات القانونية والاجرائية في سبل طرح الرؤى والتصورات فضلاً عن غياب عنصر النجاعة فيها.
وتجلى هذا الامر في الكثير من تلك الفقرات والبنود، فعلى سبيل المثال لا على نجد ان الاصرار على ان تكون قرارات مجلس الجامعة بالاجماع وليس بالاغلبية امر مناف للمنطق ولا يتوافق مع طبيعة العمل السياسي القائم على تعدد الاتجاهات واختلاف التوجهات انطلاقاً من اختلاف المصالح.
وفي هذه النقطة تحديداً اي في جعل قرارات مجلس الجامعة تتطلب اجماعاً- فلم يؤخذ بنظر الاعتبار الا الظرف الآني الذي صاحب انشاء الجامعة حيث كان عدد الاعضاء الذين تشكلت منهم مؤسسة الجامعة لا يتجاوز السبعة اعضاء وبالتالي كان من المقبول الى حد ما والظروف تلك ان يكون اتخاذ القرارات بصيغة الاجماع لكن انضمام الدول العربية الاخرى تباعاً حتى بلغت الدول المنتمية للجامعة اليوم (22) دولة. فهل من المعقول ان تتفق كل هذه الدول على كل امر يتم بحثه في مجلس الجامعة.
ومن جانب آخر فهل من المنطق بشيء ان يكون تأثير دولة يزيد عدد سكانها عن سبعين مليون نسمة مساوٍ بالتاثير لدولة لا يتجاوز عدد سكانها النصف مليون على صعيد اتخاذ القرارات في مجلس الجامعة وذلك بان تتمتع كلتا الدولتين بصوت واحد وهذا الامر يعني ضمناً وأخذاً بنسبة التمثيل الديمقراطي ان لنصف مليون الحق والقدرة على تعطيل ارادة 300 مليون عربي آخر.
وهناك الكثير من التجارب التي تؤكد على ضرورة منح الدول العربية اصواتاً مختلفة في مجلس الجامعة- تبعاً للنسب السكانية- عند التصويت على اي قرار، ويمكن الاستفادة في هذا السياق من تجارب اثبتت نجاعة وفاعلية مثل النظام المتبع في الاتحاد الاوروبي وكذا في اتحاد الامارات العربية المتحدة ولاعطاء هذا التصور بعداً تطبيقياً فاعلاً فلا بد من انشاء البرلمان العربي الموحد والذي يجري انتخاب اعضائه بطريقة تمثيلية تعبر عن النسب السكانية لكل دولة من الدول العربية بحيث يكون عدد الاعضاء لكل دولة موازياً لكثافتها السكانية.
لقد شهد العمل العربي المشترك تراجعاً خطيراً منذ القمة العربية التي عقدت وانفضت على عجل بعيد الغزو العراقي للكويت فبدل ان تحل هذه القمة المشكلة في اطار عربي قامت بفتح الباب امام التدخل الخارجي والذي اورث للامة ما اورثها من استباحة وامتهان وسلب للارادة ومن المفارقات ان تلك القمة كانت هي الاولى والوحيدة التي تناقض بنود ميثاق الجامعة فتتخذ قراراتها وفقاً لمبدأ الاغلبية وليس بالاجماع كما كان عليه الحال سابقاً ولاحقاً! وعلى ما يبدو فان الاملاءات الخارجية قد اصبحت منذ تلك القمة هي اللاعب الاساسي في رسم سياسات العمل المؤسسي العربي المشترك حتى بلغ الامر بالعرب انهم لم يستطيعوا عقد قمة عربية واحدة لاكثر من ثماني سنوات برغم جسامة الاحداث التي مرت على الامة طوال هذه السنوات وبرغم عظم المخاطر والتحديات التي واجهتها وبعد ان عادت القمة العربية للانعقاد فان قراراتها لم تحصل على الحد الادنى من الطموح العربي لاعلى مستوى القضية الفلسطينية، حيث ترك الشعب الفلسطيني في مواجهة آلة الارهاب الصهيوني وفشل العرب في تقديم الحد الادنى من الدعم للشعب الفلسطيني ممثلاً في الجانب المادي، ولم يكن الحال بالنسبة للعراق بأفضل منه بالنسبة لفلسطين، فترك العراق ليواجه مصيره وحيداً وكأنه ليس دولة عربية مؤسسة للجامعة العربية بل دولة تقع في امريكا الجنوبية بل ان النظام السياسي العربي خضع للاملاءات الامريكية ففتحت العديد من الدول العربية اجواءها ومياهها واراضيها وقواعدها للجيش الامريكي وكانت دولاً اخرى منطلقاً لبداية العمليات العسكرية في العراق.
برغم كل السلبيات التي ينطوي عليها واقع العمل المؤسسي العربي المشترك الا ان امكانية اصلاح الخلل في هذا الواقع قائمة وبالتالي فيمكن تجاوز السلبيات العديدة التي تميز بها عمل الجامعة العربية ومؤسساتها في الفترة السابقة خصوصاً ان هناك امانة عامة تتسم بالكفاءة والاخلاص يقف على رأسها رجل صاحب خبرة طويلة وتجربة واسعة في ميدان العمل السياسي والاهم من ذلك هو انه يمتلك النية الصادقة لتفعيل دور الجامعة ومؤسساتها ويسعى لادخال تعديلات جذرية في ميثاق الجامعة واعادة هيكلية بنى الجامعة وبنى المؤسسات التابعة لها بما يعطي الامانة العامة للجامعة قدرة اكبر على التحرك وسلطات اكبر للعمل، فليس من المعقول ان تبقى الجامعة العربية تخضع للميثاق نفسه الذي وضع قبل ستين عاماً في ظل المتغيرات الدولية العديدة التي شهدها العالم مؤخراً.
ولذا فقد آن الآوان كي تقوم الجامعة العربية بمراجعة شاملة لميثاقها لازالة الترهلات التي تحيط بالعمل المؤسسي العربي المشترك والتي تعيق حركته والامر المؤكد ان نجاح هذا المسعى يتوقف على عدة عوامل في مقدمتها توفر الرغبة والارادة لدى الانظمة السياسية العربية للاسهام في انجاح عملية الاصلاح وكذلك فاعلية النخب المثقفة من المتخصصين في المشاركة في الاصلاح والاسهام في صياغة الرؤى والتصورات حول سبل الاصلاح وآلياته.
ان المرحلة الحالية التي تجتازها المنطقة في غاية الصعوبة والتعقيد والايام حبلى بالمفاجآت والاحداث تتسارع بشكل غير مسبوق وبالتالي فان اليقظة والحذر العربيين مطلوبان وبالحاح وربما يكونان مع العمل المخلص والدؤوب للساسة والنخب العربية الملاذ الوحيد الذي يمكن ان يحفظ كيان الامة واستقرار المنطقة بعد ان اتضحت مخاطر المشاريع التي تعد للمنطقة وفي مقدمتها مشروع الشرق الاوسط الكبير والذي يشكل مدخلاً لتهميش دور مؤسسة الجامعة العربية وبالتالي كل اشكال العمل المؤسسي العربي ويمهد الطريق امام ولوج اسرائيل الى التطبيع الاقتصادي والاجتماعي والثقافي مع دول المنطقة وفي مقدمتها الدول العربية.