| الطبع غلب التطبع   عدد القراء : 1372   . تذكر بعض كتب الادب قصة طريفة في بيان ايهما غلب الآخر الطبع ام التطبع. والطبع هو الاصل الذي نشأ عليه المخلوق والتطبع كالتصنع يلبس المخلوق لباساً ليس له، فتنازع شخصان في هذه المسألة وبلغ بهما النقاش الى ان طلب احدهما من الثاني دليلاً عملياً على ما يقول فدعا الاول الى وليمة فاخرة وضع عليها اطايب الطعام وزينها بالشموع تحملها قطط مدربة على هذا العمل، وحضر الثاني وقد علم ما اعد له الاول من اختيار وكان الاول مزهواً بعمله هذا ويحسب انه كسب الرهان فما ان جلس الجميع على المائدة اخرج الرجل الثاني فأراً من جيبه واطلقه فوق مائدة الطعام فما كان من القطط الا ان رمت الشموع من يدها وبدأت بملاحقة الفأر لاقتناصه، نظر الثاني للاول وقال ما رأيك فاجابه الاول نعم لقد غلب الطبع التطبع. من وحي هذه الحكاية ننطلق في مقالنا اليوم في توضيح مسارات الافعال ومآلات الامور في تفسير سلوكيات البشر. فالعربي مثلاً مشهور بغيرته على عرضه وارضه وشرفه فهذا طبعه فاذا تطبع باخلاق الغرب بعدم الغيرة وعدم الاكتراث بفساد المجتمع لا بد ان يصدم يوماً ما بما يرجعه الى اصله. وربما من طريف القول ان نذكر ان ملحداً من بلادنا العربية كان من اشد المتمسكين بافكار ماركس مات والده فصدم بهذا المصاب الجلل فاقام مراسيم الجنازة واخذ يقرأ القرآن ترحماً على ابيه. اما على الصعيد السياسي فكثير من السياسيين يغلب طبع الخيانة والعمالة على التطبع بمصالح الشعب وخدمته وما ذاك الا انهم تربوا على الخيانة فصارت لازمة من لوازم شخصيتهم فمهما تطبع وظهر على انه ابن الشعب ومنه واليه تشده الخيانة والعمالة والارتباط بالدوائر الاستعمارية التي وجد من اجلها. وعلى العكس من هؤلاء من تربوا على الاسلام دينا يسوس الدنيا ويقود الانسان لصلاح مجتمعه تراهم يضحون باموالهم وانفسهم من اجل قضية آمنوا بها ويستقبلون الموت براحة النفس على ان يخونوا الامة او يضروا بشعوبها، ومثالنا على هؤلاء المطبوع في ذاكرتنا على مر الاجيال الخليفة السلطان عبدالحميد الثاني. وكذلك نستطيع ان نطبق مبدأ الطبع والتطبع على بعض المثقفين والمستكتبين الذين يحاولون التمظهر بمظهر الثقافة والسلوك المتحضر، لكنهم اذا ما نوقشوا سرعان ما يظهر ذلك الوحش البدائي من داخلهم وينسون كل ما ادعوه، وما ذاك الا ان ثقافتهم غير اصيلة وانهم اتخذوا من الثقافة والافكار مهنة لهم للتوصل الى مآرب دنيئة لا سلوكاً ثقافياً محكوماً بمبادئ الفكر المتحضر كالذي يدعو اليه الاسلام. واخيراً المطلوب منا جميعاً انشاء جيل يأخذ الاسلام مبدأ وسلوكاً وثقافة لا في المظهر فحسب بل يتغلغل داخل هذا الجيل، يشكل امام تحدياتنا ارضية صلبة يرتكز عليها في الرد على صراعات الافكار. |