يطل علينا شهر الرحمن فيستقبله المسلمون بمشاعر فياضة ملؤها الايمان وتستعد البيوت بمخزونات من اصناف الطعام لتشبع العيون قبل البطون وتتزين المساجد لعمارها من اهل قيام الليل والعاكفين والركع السجود تحفهم الملائكة لتسجل حسناتهم وترفع طاعتهم للرحمن بعد ان اثقلت ظهورهم الاحمال والخطايا طيلة سنة مضت، فهو موسم الحصول على الخيرات وتخفيف من السيئات مع ان ايامنا محملة بادران الواقع المؤلم وكالحات الليالي السوداء التي تمر علينا مع نزيف حمام الدم المستمر لكن نأمل مع اطلالة هذا الشهر الفضيل ان تسمو أرواحنا نحو الصفا وان يعود لايامنا الامان الذي سلب من رحم واقعنا وحياتنا ونبقى نتطلع لرمضان كريم من الله جل جلاله. فما المطلوب منا في هذا الشهر الفضيل؟ وما علينا القيام به؟ وكيف كان رمضان في ذاكرة البعض منا؟ وهل علينا كزوجات ان نثقل كاهل ازواجنا بقائمة من الطلبات ام نيسر الامور والجود من الموجود؟
الضيف القادم
كاملة عبدالقادر (موظفة ) تقول: لا شك ان لرمضان طقوسه التي من الصعب الاستغناء عنها فنحن ننتظر هذا الضيف منذ سنة ونستعد له قبل قدومه بشهر فنحن نوفر المواد الغذائية ونشتري مالا نشتريه في الايام الاعتيادية استعداداً لعمل الاكلات الغريبة التي لا نقدمها في وجباتنا المعتادة والحقيقة اننا نقوم كل سنة مع بعض الصديقات باعداد قائمة طعام لما سنطبخه في اليوم الاول والثاني حتى آخر يوم، ولكن ما ان يدخل علينا شهر الخير ننسى هذه القائمة ونقوم بطبخ ما تمليه علينا شهيتنا وبطوننا الجائعة.
قائمتي عبادتي
ولكن هل الاستعداد لرمضان في طعام فقط على ما يبدو لأم نور رأي آخر فهي تقول:
قبل ان اقوم باعداد قائمة طعامي فاني اقوم باعداد نفسي للعبادة واضع قائمة بكم سورة استطيع ان اقرأ في اليوم وبكم يوم استطيع ان اختم القرآن الكريم وكيف احافظ على صلاتي وازيد عليها النوافل والاذكار المستمرة والتسبيح لله وحمده فهذا الشهر فرصة لا تعوض.
اما عن قائمة طعامي فأنا اعد اللوازم الضرورية واعرف ان هذا الشهر يسر لا عسر وبمجرد ان اتفهم هذه الكلمة اجد نفسي في رمضان قد غمرت الموائد بما لذ وطاب رزقاً من الله الكريم الذي يرزق دون حساب فانا لا اعد قائمة طويلة بل الضروري كما ذكرت وباقي المواد تأتي تباعاً حتى لا اضغط على مصروف المنزل واحمل امكانيات زوجي فوق طاقتها فكل شيء متوفر في السوق ولا أظن ان السوق سيفرغ من بضائعه.
ذكريات رمضانية
أبو أحمد رجل تجاوز الستين من عمره يروي لنا كيف مرت عليه السنين وتعاقب رمضان فيها من برد الى حر ومن حر الى برد يقول:
ان لرمضان حلاوة لا يمكن ان تنسى رغم ايام الحر الشديد التي كانت تمر علينا فقد كنت اعمل في البناء ونخرج منذ الصباح الباكر طلباً للرزق في تموز وآب رغم ذروة حرارة الصيف فقد كنا نتصبر على عطشنا بصبرنا ونجدد راحتنا بغسل وجوهنا ورؤوسنا ورغم التعب كنا سعيدين بالاجر الذي سنناله باذن الله، فالأجر على قدر المشقة.
وكذلك ايام الشتاء كنا نتحمل البرد وتساقط المطر ونذهب لصلاة التهجد فرحين مستبشرين بالشهر الكريم.
اما بعد الفطور فان لياليه لا تنسى في الجلوس في المساجد وذكر الله والمسابقات التي كنا نقوم بها مع الاصدقاء بالاضافة الى صواني الزلابية والبقلاوة ولعبات المحيبس الودية كلها ايام فقدنا حلاوتها لعل الله يعيدها علينا لو كان في العمر بقية.
رمضان حزين
ام سلمان امرأة في عقدها السابع تصف رمضان اليوم بأنه يأتي حزيناً ويذهب حزيناً بعد ان فقدنا فيه الامان وسرقت من قلوبنا الفرحة فسهرات ليالي رمضان وحلاوتها ضاعت في زخم الظروف الحالية القاسية، فقد كانت ابواب البيوت العراقية مشرعة حتى وقت السحور وتبادل اطباق الطعام المختلفة ويعود كل منا الاخر لا رعب من ان تطولنا رصاصات غادرة ولا ان تعتقلنا قوات محتلة لكنا مع هذا نسعى لجعل ليالي رمضان جميلة عامرة بتلاوة القرآن وبايماننا بالله ودعائنا المستمر بان يزيل الله عنا هذه الغمة وتعود لايامنا امانها ويربط قلوبنا بالالفة والمحبة في الله.
كانت ام سلمان تتحدث بصوت يملؤه الشجن وعيون تفيض منها الدموع حزناً على زمان ولى وذهب وكأنها تقول ياليت الزمان يعود يوماً.
التيسير في السنة النبوية
يشق البعض على نفسه ويقوم باعمال ظناً منه انها تزيد من حسناته في شهر المغفرة في الوقت ان الله سبحانه يسر لنا امورنا ولم يشق على بني آدم قط فكيف في شهر يعادل سنتهم الواحدة بعشر وابواب مغفرته مشرعة والشياطين مصفدة فلماذا التعسير على انفسنا؟ وما اليسر الذي قدم لنا:
الشيخ عبدالكريم سعيد يحدثنا عن التيسير في السنة النبوية ويقول:
ان من اول مظاهر التيسير هو تحديد الصيام فجعل لشهر رمضان بداية ونهاية وحرم صوم اليوم الذي قبله او ما يسمى (بيوم الشك) واليوم الذي بعده فقد ثبت عن عمار ابن ياسر رضي الله عنه انه قدم طعاماً الى ضيوف كانوا عنده فتجنب بعضهم الطعام وقال: اني صائم وكان ذلك في اليوم الاخير من ايام شعبان فقال عمار: من صام اليوم الذي يشك فيه (يعني هل هو من رمضان ام هو اليوم المتمم لعدة شعبان ثلاثين يوماً) فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم.
هذا باستثناء من كانت عادته صيام يوم معين من كل شهر او اسبوع وصادف هذا اليوم آخر شعبان فلا إثم عليه.
كما ان تعجيل الفطور وتأخير السحور من تيسير السنة النبوية.
العلاقة الزوجية في رمضان
الكثير من الازواج يضيق على نفسه في علاقته بزوجته خشية من الوقوع في الاثم فنرى العلاقة تكاد تصبح مقطوعة.
عن ذلك يحدثنا فضيلة الشيخ عبدالكريم:
ان الاسلام دين الفطرة ولا يغفل تشريعه عن غرائز الناس وشهواتهم بل يحترمها ويعطيها مساحة كافية لاشباعها فالصوم امتناع عن الطعام والشراب وبعض الملذات التي يشتهيها الانسان بفطرته لمدة زمنية محددة من الفجر الى الغروب لكن اجازها بعد الغروب باستثناء ما يفعله البعض من سماع للاغاني والاختلاط المحرم فهذه كلها افعال محرمة في سائر ايام السنة فما بالهم بشهر القرآن.
ويضيف فضيلة الشيخ:
كان الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يقبل ويباشر زوجاته، والمباشرة هنا ملامسة حميمة بين الرجل وزوجته وهو صائم استناداً لقول عائشة رضي الله عنها قالت :(كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل ويباشر وهو صائم وكان املككم لإربه).
فالعلاقة بين الزوجين بحاجة الى الصلة الشديدة وتجدد الحنين واللقاء بين الزوجين وهذا يدل على صدق المحبة، والصوم لا يمنع ذلك كله ولكن يمنع المتعة الكاملة بما يكون بين الزوجين من صلة اما دون ذلك فهو مباح.
اما بخصوص ما يشدد البعض على انفسهم بلزوم الغسل اذا ما اصاب الرجل متعته مع زوجته قبل طلوع الفجر فيجيب الشيخ مستشهداً بقول الرسول صلى الله عليه وسلم عن ام سلمة وعائشة رضي الله عنهما (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصبح جنباً من الجماع في رمضان ثم يصوم ذلك اليوم.
صحة الصائم
يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم (الصيام جُنة) ويقول ايضاً (صوموا تصحوا) والرسول لا ينطق عن الهوى فلا بد ان يكون للصيام فوائده لصحة الانسان.
د.احلام كريم (اخصائية باطنية وطب عائلة) تقول:
يعتقد البعض ان في الصيام اعياء للنفس وتعباً للجسد والحقيقة ان باستثناء بعض الامراض المزمنة التي يمنع الانسان فيها من الصوم خوفاً على صحته فان الصيام ليس فيه اعياء فهو عبادة تزكي النفوس وتطهرها من الادران .
ولها جوانب صحية فبالنسبة لمرضى السكري غير المعتمد على الانسولين ممكن ان يكون الصيام احد جوانب علاجه ويفيد الصيام في تقليل اعراض الذبحة الصدرية فضلا عن ترك التدخين طوال ساعات النهار والكثير من المدخنين يقلع عنه نهائيآ بعد ان يتعود على تركه ساعات طويلة ، ويعتبر الصيام من العوامل المساعدة في علاج ارتفاع ضغط الدم وكذلك يساعد بعمل الكبد والطحال بفقدان 30 -60من المواد المخزونة الفائضة كما لوحظ ان امراض المرارة تتحسن كثيراً بعد الصوم.
المساجد ورمضان
اذا كانت المساجد خير بقاع الله واحسن البيوت لارتباطها باسمه العظيم سبحانه فان شهر رمضان بهجتها وفرحها ففيه تملأ بزوارها وتعلو تكبيراتها ويدخلها الكبار والصغار وفيه تخشع القلوب وتدمع الاعين ويعكف الساعون لرضا الله لافرق بين فقير وغني، صفوف ترص، الصف بعد الصف حتى لاتجد لك مكاناً تصلي فيه ،واذا كان انشغال المرأة في بيتها طيلة ايام السنة نجدها في رمضان تسارع في انهاء افطارها واكمال اعمالها للحصول على مكان لها في المسجد، فديننا السمح كرم المرأة وسمح لها بالذهاب للصلاة جماعة ولكن عندما تفكرين اختي المسلمة في الصلاة بالمسجد عليك ان تفكري ببعض الامور فعليك عدم اظهار زينتك وعدم التطيب بالعطور والروائح التي تلفت الانظار اليك لقول رسولنا (ص) (أذا شهدت احداكن المسجد فلا تمس طيباً).
وعليك بباب النساء وتذكري عدم الاختلاط في الطريق مع الرجال وبطء خطاك كي يمر المصلون اذا ما كان طريقكم واحداً وافسحي المجال حتى يمر الرجال فلا تكون خطاك امام انظار الرجل خوفاً ان يفتتن بميلان جسمك 0
كما وان اقتضت الضرورة ان يحضر الاطفال مع امهاتهم الى المساجد فعليك تعويد اطفالك على الهدوء كما ان مكان الصلاة لابد ان يكون نظيفاً فلا تجعلي من بقايا حلوى الاطفال مرماه على ارض المسجد 0
وثمة امر لابد ان تتفهميه ان هذا الضيف الذي يمر مسرعاً لا تفقديه بالثرثرة مع النسوة فتتأخري عن الجماعة بالجلوس في مكانك فكثيراً ما نلاحظ النساء يصلين اول الامر جماعة ثم يكملن صلاتهن منفردات فعلينا ان نغتنم هذه الفرصة الثمينة ونستغلها في التخفيف عما حملنا من ذنوب وهفوات فمن منا لم يرتكب ذنباً فكلنا خطاؤون وخير الخطائين التوابون وخير وقت نتوب فيه شهر رمضان وافضل مكان بيوت الله التي فتحت احضانها للتائبين.
وأخيراً استفيدوا من الجوانب النفسية للصوم فكيفوا انفسكم على الظروف الصعبة من عطش وجوع ومجاهدة للنفس والتحمل والصبر على الاذى والابتعاد عن المعاصي.