ثورة الكتابة   عدد القراء : 549   .
عبد
الله
موسى
مرت الكتابة بمراحل تطورية تبعاً لتطور مجتمعاتها، فبدأت الرواية بالظهور إلى سطح الأدب والقصة بأنواعها، ثم أخضعت هذه الآداب إلى التحليل والدراسة فتولدت منها آداب أخرى كالنقد الأدبي، وتحليل النص إلى غير ذلك من الفروع، وظلت هذه الآداب تستمد مادتها الأدبية والتحليلية من الواقع المجتمعي عموماً، أو الهروب منه أحيانا وذلك عندما بدأت بعض المدارس الأدبية بالتربع على عرش الكتابة فترات زمنية ليست بالقصيرة، بما يمكن تسميته بثورة النص والتي لا تزال أحداثها تغلي في محاولة لإيجاد نوع من التناغم بين الكتابة وحركة العصر والتي تهدد بانقراض بعض الأنواع الأدبية كما انقرضت غيرها عبر مراحل التاريخ، بعد النقلة الكبرى التي أحدثها التطور التكنولوجي في القرن الأخير، الا أن هذا الأمر يبقى مجرد افتراض لأن عصر التكنولوجيا الحالية لا يزال يعتمد على هذه الأنشطة الحياتية، سواء كان الأمر تجارياً بحتاً أو بسبب الطلب الذي لا يزال قائماً على المادة الكتابية.
أهمية الكتابة من خلال الكتب المقدسة
بعد أن سقنا هذه المقدمة التاريخية لتطور اللغة والكتابة نأتي على الدور الهام الذي لعبته اللغة في الرسالات السماوية، وقد يتعثر البحث هنا لأن بعض الكتب السماوية قد نالتها أيدي قاصدة محت بعضها كلياً أو أبقت من البعض الآخر أجزاءً منقوصة أو محرفة ومع هذا فقد تكررت لفظة الكتابة في هذه الكتب الموجودة حالياً في عدة مواضع جاءت بهذا اللفظ.
وقد طرح القرآن الكريم مهمة تنزيل الكتب السماوية وأهميتها من خلال آياته الشريفة. قال تعالى ( وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ).
(قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاء بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ)(قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ).
(وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ).
ويتضح من هذه الآيات وغيرها أهمية هذه الكتب المقدسة لأنها سجل لتلك الرسالات السماوية العظيمة، ولما كانت الرسالة الإسلامية هي خاتمة هذه الرسالات والقرآن الكريم هو خاتم الكتب، لذلك كان من أهم واجبات الرسالة الجديدة الخاتمة هو الحفاظ على هذا الكتاب المقدس، فكانت العناية الإلهية قد تكفلته بالحفظ بقوله تعالى (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) والجدير بالإشارة إلى أن هذه الكتب المقدسة قد حثت على الكتابة واعطتها سمة القدسية وقد صرحت الكثير من الآيات القرآنية بذلك ونوهت إلى أهمية الالتزام بالكتابة كأمانة مقدسة ( وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ) وهي دلالة واضحة على أن الكتابة هي أمر يتوقف عليه مصير الإنسان وعقيدته.
ولا تزال أجيال مفسري القرآن الكريم ورواة الحديث النبوي الشريف وأحاديث أهل البيت تعتمد على التفسير اللغوي كأساس لفهم هذه النصوص المقدسة كما ويعتمد الكثير من المشرعين والفقهاء على فهمهم الخاص للنصوص المنقولة والاستناد إليها في إصدار الحكم الشرعي، وبهذا ربما تكون المادة المكتوبة حاملة لمضامين قد تكون مقدسة كما أشرنا إلى ذلك.