| تواضع الحبيب (صلى الله عليه وسلم)   عدد القراء : 616   . اسامة عبد الرحيم
حاز نبينا وحبيبنا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الأخلاق أعلاها وأكملها. حُمِّل أعظم رسالة وكُلف بتبليغها، فحملها وبلغها، وأوذي في سبيلها فما وهنت عزيمته. وأما الأخلاق فمن ذا الذي يقدر على وصف خُلقه، وقد كان خلقه القرآن، كما قال الله تعالى:(وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ)، ومهما تكلم المتكلمون، ووصف الواصفون خُلقه ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلن يعطوه حقه، ولن يدركوا وصفه. والتواضع، وخفض الجناح، ولين الجانب، كانت أوصافا له ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، تخلَّق بها مع الكبير والصغير، والقريب والبعيد، امتثالا لأمر الله تعالى حين خاطبه بقوله سبحانه: (وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ)، قال أهل التفسير:(وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) أي: ألِن لهم جانبك، وفي ذلك كناية عن التواضع لهم والرفق بهم. ولقد أوصى جبريل ـ عليه السلام ـ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالتواضع، كما جاء في حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: (جلس جبريل إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فنظر إلى السماء، فإذا ملَك ينزل فقال له جبريل : هذا الملَك ما نزل منذ خُلِق قبل الساعة، فلما نزل قال: يا محمد أرسلني إليك ربك : أمَلِكا أجعلك أم عبدا رسولا؟، قال له جبريل: تواضع لربك يا محمد، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : بل عبدا رسولا ) (أحمد). فكان ـ صلى الله عليه وسلم ـ أكثر الناس تواضعا، وأخفضهم جناحا، وألينهم جانبا، وسيرته وحياته ـ صلى الله عليه وسلم ـ مليئة بالمواقف والعبر في هذا الخلق العظيم. فأخبار تواضع الحبيب ـ صلى الله عليه وسلم ـ كثيرة، وسيرته العطرة مليئة بها، وما حفظ عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه تكبر على أحد، أو فاخر بنفسه أو مكانته، وقد نال أعلى المنازل، وحظي عند ربه بأكبر المقامات، فهو صاحب الحوض المورود، واللواء المعقود، والمقام المحمود، وأُسري به إلى السموات العلى حتى بلغ سدرة المنتهى، وبلغ مقاما لم يبلغه مخلوق قبله ولا بعده، وأنعم الله عليه بالمعجزات، وأيده بالآيات... وما حكى شيئا من ذلك على وجه الفخر أو المدح لنفسه ـ صلى الله عليه وسلم ـ، ولا تعالى به على الناس، بل كان التواضع صفته، وخفض الجناح سمته.. فكان إذا أخبر عن منزلته تلك يقرن إخباره بها بنفي الفخر، تواضعا لله تعالى. عن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلمـ: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي ـ يومئذ آدم فمن سواه ـ إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر) (الترمذي). ومعنى قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا فخر: أي لا أقوله تكبرا وتفاخرا وتعاظما على الناس، بل أقوله تواضعا وشكرا لله. ومن تواضعه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه كره أن يُفضل على الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ مع أنه خاتمهم وأفضلهم، فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ (لا ينبغي لعبد أن يقول: إنه خير من يونس بن متى) (البخاري). وكان ـ صلى الله عليه وسلم ـ متواضعا في لباسه ومركبه، فيلبس ما تيسر من اللباس، ولا يأنف من ركوب البغال والحمير، ولو شاء ـ صلى الله عليه وسلم ـ للبس الديباج والحرير، ولما ركب إلا أصيلات الخيل، كيف لا؟، وأغنياء الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ يفدونه بأنفسهم وأموالهم، وقد منَّ الله عليه بالفتوح، وساق إليه أموال اليهود والمشركين، ولكن تواضعه ـ صلى الله عليه وسلم ـ يأبى عليه أن يسير سيرة الملوك، أو يتزيا بزيي أهل الدنيا، وهو الذي اختار أن يكون عبدا رسولا. وكان ـ صلى الله عليه وسلم ـ متواضعا مع أسرته وفي داخل بيته، يعمل أعمالا يأنف منها كثير من الرجال، وسئلت عائشة ـ رضي الله عنهاـ: (ما كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يصنع في البيت؟، قالت: كان يكون في مهنة أهله، فإذا سمع الأذان خرج) (البخاري). وعن عروة ـ رضي الله عنه ـ قال : سأل رجل عائشة ـ رضي الله عنهاـ :(هل كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعمل في بيته ؟، قالت : نعم . كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يخصف نعله ، ويخيط ثوبه ، ويعمل في بيته كما يعمل أحدكم في بيته)(أحمد). وكان ـ صلى الله عليه وسلم ـ متواضعا مع الناس، ومن شدة تواضعه أنه لا يُعرف من بين أصحابه ـ رضي الله عنهم ـ، فلا يتميز عليهم بملبس أو مركب أو مجلس، كما هي عادة الكبراء والأغنياء، وإذا جاء الغريب ما عرفه من بينهم حتى يسأل عنه، كما روى أبو ذر وأبو هريرة ـ رضي الله عنهما ـ فقالا: (كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يجلس بين ظهري أصحابه، فيجيء الغريب فلا يدري أيهم هو حتى يسأل..) (أبو داود). ومن تواضعه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه كان يكره أن يقوم الناس له كما هو شأن أهل الدنيا. قال أنس ـ رضي الله عنهـ :(ما كان شخص أحب إليهم رؤيةً من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكانوا إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهيته لذلك) (أحمد). هكذا كان تواضع الحبيب ـ صلى الله عليه وسلم ـ، ولا يملك من يقرأ سيرته، ويطلع على أخلاقه إلا أن يمتلئ قلبه بمحبته، فالناس مفطورون على محبة المتواضعين وبغض المتكبرين.
|