| بؤس الدستور العراقي الجديد   عدد القراء : 1096   . إن الدستور العراقي بولادته المؤلمة والبائسة والسوداء، كشف نوايا وأوراق الاحتلال وأذنابه من الطائفية الصفراء، والقومية النتنة التي لا تعرف أمانة الوطن والمواطنة والثوابت الإسلامية والوطنية، بل تنكرت للعروبة وللوحدة الوطنية وللنسيج الاجتماعي المتماسك الذي عرف به العراقيون، وتغلبت النوازع العرقية والطائفية على المصالح الوطنية العليا وتطلعات الشعب وطروحاته وتقاطعت معها، وألغت مفهوم الدولة العراقية الموحدة لتكرس التفرقة والتقسيم في الدستور الذي يحيطه الغموض والتناقض والتفسيرات المختلفة والمشكلات الكثيرة والمنازعات الخطيرة التي ستظهر في أي وقت في المسائل المؤجلة كقضية كركوك وتوزيع الثروة بين الاقاليم والفدرالية وتوزيع الصلاحيات بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ودور الاسلام في التشريع وقوانين الاحوال الشخصية، اضافة إلى العديد من القضايا والمسائل التي تكمن تحت كل عبارة وردت حولها مشكلة قائمة لم تحسم أو لم يتم التوافق حولها بشكل حقيقي وتفصيلي. إن مقدمة الدستور قد صيغت باسلوب سياسي انشائي ركيك يعرفه الضالع في اللغة والقارئ البسيط، بعيداً عن الصيغة القانونية الدستورية والتي لا تصلح أن تكون مقدمة للدستور بل أن مقدمة قانون إدارة الدولة السابق أفضل منها وأكمل. وقد زج في هذه الديباجة تعابير طائفية وأشكال المظلوميات والتعقيدات وتعابير التغني بمن شارك في الانتخابات، والإشادة بالمحتلين ودورهم في العراق، ووصفوهم (بالاصدقاء) وذم البعض واهمال البعض الآخر كأن وثيقة الدستور كتبت لفئة معينة من شرائح الشعب وليس لكل العراقيين. ووردت العبارة ((نحن أبناء الرافدين)) وكان المفروض أن تكون العبارة ((نحن أبناء العراق)) دون أن تعطي إشارة أو رمزاً معيناً، وكذلك تعبير (وادي الرافدين) الذي يستخدمه المستشرقون وليس له مدلول كيان سياسي. واستخدمت في المقدمة عبارة (عرفاناً منا بحق الله علينا) وهي عبارة لا تستخدم في تعابيرنا العربية والإسلامية، وقد تكون عبارة مترجمة عن الانكليزية، حيث لهذا التعبير ما يماثله في الديانة اليهودية والمسيحية. وحذفت المادة التي تنص على أن الدولة العراقية وحدة واحدة أرضاً وشعباً وسيادة، وجعلت بدلها في نهاية المقدمة نص (ان الالتزام بهذا الدستور يحفظ للعراق اتحاده الحر شعباً وأرضاً وسيادة) اشارة ودعوة إلى التجزئة والتفتيت لأن الاتحاد حر وبالاختيار، فيمكن أن ينتهي هذا الاتحاد الحر في حاله تقرير المصير. وقد أفرغ النص الذي يشير إلى الاسلام كمصدر أساس للتشريع من معناه بالاشارة إلى عدم معارضته للديمقراطية والحقوق والحريات، ثم تجاهلت الترجيح في حالة التعارض. وقلل الدستور من شأن وأهمية ودور اللغة العربية ولم يجعلها اللغة الرسمية الوحيدة في العراق، بل أضاف إليها اللغة الكردية، فكانت لغة أكثر من 80 % من شعب العراق مع لغة من أهم أقل من 20 %. اضافة إلى أن كل اقليم أو محافظة لها حق اتخاذ لغة محلية اخرى لغة رسمية اضافية غير اللغات الموجودة في البلاد، لكي يفتحوا الباب لادخال لغات جديدة رسمية للبلاد كالفارسية وغيرها. كما تنكر الدستور لهوية وعروبة العراق، الدولة والسكان والتأريخ والحضارة،وجعل العرب داخل العراق مجرد أقلية كأنها أقلية طارئة ودخيلة على أرضه، تمهيداً لسلخها عن مجتمعها العربي، ولذا اقترح البعض أن تكون القومية الفارسية، القومية الرابعة في العراق، تأكيداً للاصول الفارسية التي تربط بعض الاحزاب التي تنفذ أجندة الاحتلال والصهيونية والفارسية، لتحقيق مخطط تقسيم العراق بالفدرالية وتفتيته لاقامة اقليم الجنوب الفارسي، مع الاجهاز على أي دور حقيقي للدولة العراقية في إدارة الاقتصاد وتخطيطه، وهو في ذلك يلغي المركزية ويكفي مفهوم الدولة الواحدة بالكامل، وفي وراء ذلك نزعة انفصالية وأجندة سياسية غير معلنة. وتأكيداً للمقاصد السيئة والنزعات العدوانية، فتح الدستور الباب على مصراعيه لمنع كل كيان أو نهج لا يرغب به بحجج واهية وذرائع مفتعلة وتفسيرات ضالة واهواء كثيرة للعنصرية أو الارهاب أو التكفير أو التطهير الطائفي. ومثل هذه الظلمات والمؤاخذات تكثر في بنود ومواد الدستور والتي تلاحظ بالتركيز عليها دراسة وتمحيصاً، مما يدل على أن الدستور لا يمثل طموحات أفراد الشعب، بل يمثل إرادة المحتل وأذنابه من ساسة العراق الجدد، ومن ثم لا يمثل الدستور عقداً اجتماعياً بل هو صنعة سياسية كما قال (ريندفرانكي) المدير التنفيذي لمؤسسة العراق. ولذا فإن بنود هذا الدستور الجديد لن يقود العراق إلى بر الاستقرار والأمان، بل سيفاقم حتماً الصراعات السياسية والانفجارات الأمنية، وهذه حقيقة يعترف بها الأمريكيون أنفسهم من المحللين والصحفيين والمسؤولين ويكاد يجمعون على ذلك. تحت عنوان (الدستور قد يجرف العراقيين نحو طريق خطر) قالت صحيفة (فايننشال تايمز): ((ان الدستور لن يكون ذا فائدة ما لم يطبق حرفياً على أرض الواقع))، مشككة في قدرة أية حكومة مستقبلية للعراق على احترام مثل هذا الدستور. وأضافت الصحيفة: ((ان مسودة الدستور العراقي الجديد فشلت في انجاز الهدف الأوسع المتمثل في التقريب بين مختلف الطوائف العراقية)). ونقلت الصحيفة عن انتوني كوردسمان الخبير في شؤون الشرق الأوسط في مركز واشنطن للدراسات الدولية والاستراتيجية قوله: ((ان هذه الوثيقة بدلاً من أن تكون شمولية كما أريد لها، فهي وصفة لتفكيك العراق على أسس تعطي الشيعة والأكراد ميزات أكثر)). وحذر كوردسمان من آثار هذه المسودة بقوله: ((فإن اثرها قد يكون مدمراً لتلاحم المجتمع)). وستثبت الايام بأن الدستور لا يتيح لأي طرف ساهم في وضعه أن يتباهى ويفتخر بما سيحققه على الأرض، وحتى الولايات المتحدة الأمريكية التي دعمت هذا الدستور وساهمت في وضعه ستضطر تحت تداعيات المشهد العراقي لسحب تأييدها تدريجياً والاعتراف بحقائق الواقع العراقي.. والعاقبة للمتقين. |