القرب من الله وسيلة لقبول الدعاء   عدد القراء : 1202   .

تحركت في نفس زكريا، الشيخ الذي لم يوهب ذرية، تلك الرغبة الفطرية القوية في النفس البشرية، الرغبة في الذرية، في الامتداد، في الخلف، الرغبة التي لا تموت في نفوس العباد الزهاد، الذين وهبوا أنفسهم للعبادة ونذروها للهيكل، إنها الفطرة التي فطر الله الناس عليها، لحكمة عليا في امتداد الحياة وارتقائها.
((فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنْ الصَّالِحِينَ )).

لما سأل السؤال، ولازم الباب أتته الاجابة.
وفيه اشارة إلى أن من له إلى الملوك حاجة، فعليه بملازمة الباب إلى وقت الإجابة، فكيف بالله عليك أخي لمن كانت حاجته لملك الملوك!!.
والله سبحانه إنما يقبل بالاجابة على من هو معانق لخدمته، فأما من أعرض عن الطاعة ألقاه في ذل الوحشة.
ولما كان الله سبحانه عند ظن عبده به سمع دعاءه كما طلب!.
وكذلك أخي في الله، نجدنا أمام حادث غير عادي، يحمل مظهراً من مظاهر طلاقة المشيئة الإلهية، وعدم تقيدها بالمألوف للبشر، الذي يحسبه البشر قانوناً لا سبيل إلى خلافه، وكل ما يراه الإنسان ويحسبه قانوناً، لا يخرج عن ان يكون أمراً نسبياً.
فما يملك الإنسان وهو محدود العمر والمعرفة؟؟
وما يملك العقل وهو محكوم بطبيعة الإنسان هذه، إلا أن يتأدب في جناب الله، ولا يضع لمشيئة الله المطلقة إطاراً من تجاربه ومن علمه القليل!!
((فنادته الملائكة)): فتسبب عن دعائه وحسن رجائه أن نادته الملائكة، وكان هو متهيئاً بما آتاه الله من الفضل لذلك النداء، كما هو شأن أهل الكمال من الرسل، فاستجيبت الدعوة المطلقة من القلب الطاهر، الذي علق رجاءه بمن يسمع الدعاء ويملك الإجابة حين يشاء.
وكان الذي ناداه هو جبريل (عليه السلام)، وأتى بلفظ الجمع ((الملائكة)، لأن صوت النداء الذي كان قادماً من الملأ الأعلى كان من كل الجهات، وكأن هناك ملكاً في كل مكان.
وكما رأى سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام، وقد سد الأفق وله ستمائة جناح، استوعب المكان!!
وقد يؤتى باسم الجنس ليدل على الواحد.
ومثله في القرآن قوله تعالى: ((الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ )).
ويعني بالناس هنا أبا سفيان.
وقيل لما كان المقصود رئيساً وقلما يبعث إلا ومعه جمع من الملائكة صح ذلك.
واعلم اخي أن الملائكة نادته في أروع أوقاته مع ربه، أو هو حين دعا أخذ ما علمه الله للأنبياء إذا حزبهم أمر قاموا إلى الصلاة، أليس طلبه من الله؟؟
فليقف بين يدي الله!!
((وهو قائم)): بالجملة الإسمية التي تدل على طول ذلك القيام، كما في الحديث (أفضل الصلاة طول القيام) قال الحرالي: فيه إشعار بسرعة إجابته ولزومه معتكفه وقنوته في قيامه، وأن الغالب على صلاته القيام لأن الصلاة قيام، وسجود يقابله وركوع متوسط فذكرت صلاته بالقيام إشعاراً بأن حكم القيام غالب عليها.
((يصلي في المحراب)): في موضع محاربة العابد للشيطان، وخاصة عندما تتأزم الامور وتمتنع الاسباب.
هلا قمنا أنا وأنت أخي وتوضأنا، وفي خشوع قلنا:
إنه امر يا رب، عزّ علي في أسبابك، وكلنا يقين بأن الفرج آت بإذن الله.
واعلم أخي أن الملائكة نادته وهو قائم يصلي، لم تنتظر إلى أن ينتهي من صلاته!!
بأي شيء نادته الملائكة؟؟
((أن الله يبشرك)): وذكرت الإجابة بالاسم الأعظم المحيط بجميع معاني الأسماء، والبشارة هي إخبار بخبر زمنه لم يأت بعد، وإذا كان الله سبحانه هو الذي يبشر، فالأمر قادم لا محالة، لذا قال له الله، سأعطيك، وزيادة على العطاء سمّاه.