سرقة ثرواتنا النفطية دستورياً   عدد القراء : 1256   .

ان احد الاهداف الرئيسية للغزو الأمريكي - البريطاني للعراق هو السيطرة والتحكم بثروات العراق النفطية والمعدنية على اعتبار ان العراق يطفو على بحيرة من النفط ويمثل الاحتياطي الثاني من الاحتياطي العالمي بعد السعودية، ونعرف جيداً من تأريخنا المعاصر كيف ان البريطانيين استطاعوا في بداية القرن العشرين من السيطرة على ثروة العراق النفطية واحتكار واستغلال هذه الثروة استغلالاً بشعاً اضافة إلى مآسي الاحداث التي مرت بالعراقيين نتيجة للمؤامرات والمكائد التي نصبها الانكليز.
ومرة أخرى وفي بداية القرن الواحد والعشرين يدخل البريطانيون إلى العراق ولكن هذه المرة مع الامريكان حيث الأطماع في النفط العراقي قد ازدادت بعد ان بدأت الكثير من الحقول النفطية في العالم بالنضوب مع ازدياد الاستهلاك العالمي للنفط وتريد امريكا ان تبقى القوة المهيمنة الوحيدة في العالم فلا بد لها من السيطرة على منابع النفط وطرق الامدادات العالمية له وتبقى الدول الأخرى تحت رحمة الامريكان.
وجاء الغزو لبلادنا تحت شعار التحرير وتخليص الشعب العراقي من الدكتاتورية وشعارات أخرى كاحلال الديمقراطية والقضاء على اسلحة الدمار الشامل المزعومة والتي سرعان ما كشف كذبها فكانت بحق حرباً من أجل النفط كأحد الاهداف الرئيسية للغزو.
ان النوايا الشريرة لسرقة نفط العراق قد تجلت بوضوح في يوم دخول قوات الاحتلال مدينة بغداد الحبيبة لقلوبنا جميعاً فحدث الهرج والمرج وانطلقت الغوغاء ليدمروا ويحرقوا وينهبوا كل ممتلكات الدولة الا وزارة النفط حيث كانت الوزارة الوحيدة التي تحرسها دبابات الاحتلال البغيض.
لقد بدأت عملية النهب المنظم للثروات في عهد الحاكم المدني للعراق بريمر حيث تم تأسيس صندوق بيع النفط وبرئاسته وكان معه خبراء ليس من بينهم الا اربعة عراقيين بصفة مراقبين ولا يسمح لهم بالاطلاع على عمليات البيع والمحاسبة والصرف وأولى فضائح هذا الصندوق هي عملية اختفاء (3 مليارات دولار) من هذا الصندوق كما كشفته مجلة بريطانية متخصصة وقدمت تقريرها إلى مؤتمر مدريد الذي عقد في 2003/10/23 .
وفي تقرير نشر في شبكة الانترنيت ان وزير النفط أصدر قراراً بتخفيض سعر البرميل العراقي المصدر إلى الولايات المتحدة بقيمة (40) سنتاً ولو ضرب هذا الرقم بملايين البراميل المصدرة سيكون الرقم الناتج كبيراً جداً.
ان هذه الملايين المهدورة هي أكثر بكثير من اثمان الكوبونات التي اتهم النظام السابق بتوزيعها على شخصيات ومنظمات صديقة. ولا تزال الثروة النفطية تسرق من عصابات ومليشيات مسلحة اضافة إلى فقدان السيطرة على العدادات وكذلك استمرار الكويت بسرقة النفط العراقي من خلال الآبار النفطية المحفورة في أراضٍ عراقية استحوذت عليها بقرار جائر صادر من الأمم المتحدة اضافة إلى استخدام تقنيات الحفر الأفقي التي تساهم في زيادة كميات النفط المسروق من حقل الرميلة الجنوبي والعجيب في ذلك سكوت المسؤولين الحاليين وتسرب انباء عن فتح حسابات سرية في احد البنوك في قبرص يتم من خلالها ارسال حصص هؤلاء المسؤولين.
واعلن منذ فترة قريبة ان انبوباً نفطياً يتم تنفيذه حالياً يمتد إلى إيران ولم يتم كشف طبيعة هذا الانبوب وكلفته والغاية من إنشائه وسط أقاويل كثيرة عن الطبيعة المشبوهة لهذا الانبوب.
وضمن التوجه الامريكي لسرقة الثروات النفطية العراقية فقد عينت الادارة الأمريكية السفير زلماي خليل زاد الأفغاني الأصل ومن المقربين لهذه الادارة المتصهينة عينته سفيراً في العراق بسبب علاقته مع الشركات النفطية الأمريكية وكونه عمل مستشاراً لإحدى الشركات الكبرى.
ان وجود هذا الرجل في العراق سيهيئ الجو المناسب لدخول هذه الشركات إلى العراق من خلال الاستثمارات الأجنبية وخصخصة القطاع النفطي العراقي من خلال شراء الشركات النفطية العراقية وبالتالي السيطرة على الحقول النفطية العراقية واستغلالها استغلالاً بشعاً وفق مبدأ (انفاق أقل ما يمكن للحصول على أعلى الارباح) على حساب استهلاك المكامن وإتلاف الخزين النفطي.
لقد نوه أكثر من مسؤول عراقي بعد الاحتلال إلى فتح الباب أمام الاستثمارات الأجنبية وفي ذلك الاتجاه اعلنت وزارة النفط عن عرض (11) حقلاً نفطياً عراقياً للاستثمار الأجنبي وأعلن الجعفري خلال إحدى زياراته للولايات المتحدة انه لا يستبعد الخصخصة في القطاع النفطي العراقي في المستقبل القريب.
ان الشركات النفطية العالمية المرتبطة بالاستعمار تسعى إلى سلوك طريقين رئيسين للاستحواذ على الثروات النفطية للدول المنتجة الا وهما الاستثمار والخصخصة .
وتدعي هذه الشركات انها الوحيدة القادرة على انفاق مبالغ كبيرة لتطوير الحقول العراقية اضافة إلى كونها تمتلك الخبرة والتكنولوجيا والجواب على ذلك نعم ان العراقيين محتاجون إلى السيولة النقدية ولكن ليس بالصورة التي تصورها الشركات العالمية التي تبالغ في مقدار المبالغ الواجب انفاقها في العراق والتي تقدرها بعدة مئات من المليارات من الدولارات فالرقم الحقيقي لا يتجاوز الملياري دولار وهذه كفيلة باستعادة وتعزيز القدرة الانتاجية للوصول إلى مستوى الانتاج الذي كان قبل الحرب وهو (3.14) مليون برميل باليوم الواحد. وهذه المليارا دولار ممكن الحصول عليها من انتاج اسبوع واحد من النفط وكذلك من الممكن للمؤسسات العراقية ان توفره من الاحتياطيات الثابتة.
وفيما يخص الخبرة والتكنولوجيا فإن شركاتنا الوطنية لديها خبرة ومتميزة في مختلف جوانب الصناعة النفطية واستطاعت طيلة الفترة الماضية ان تحقق انجازات رائعة في مجال الاستكشاف والحفر والاستخراج والتصدير وصلت فيها هذه الشركات إلى مستوى الشركات العالمية، كذلك يمكن للشركات الوطنية ان تستعين بشركات نفطية خدمية مثل (شلمبرجر وسي جي جي) وغيرها تقدم الخبرة والتقنيات الحديثة لقاء عقود محدودة لتحقيق اهداف معينة وضمن فترة زمنية محددة (مسوحات استكشافية، حفر آبار، مد أنابيب، انشاءات،...) وكذلك فإن شركتنا الوطنية استطاعت اكتشاف العشرات من الحقول والتي لم تطور لحد الآن في حين ان الحقول المطورة هي محدودة ومنها يتم تصدير النفط العراقي لذلك فإننا لا نحتاج إلى المال الكثير لانفاقه على اكتشاف حقول جديدة ومن عائدات الحقول الحالية يمكننا تطوير العشرات من الحقول المكتشفة وكذلك اكتشاف مكامن جديدة بمبالغ بسيطة.
اذن يتضح ان حجج الشركات العالمية النفطية هي حجج واهية وانها من خلال العملاء الذين دخلوا مع قوات الاحتلال تريد ان تضع دستوراً وفق المواصفات الأمريكية وأهدافها الاستراتيجية العالمية لتحصل على الشرعية الدستورية لاستثماراتها في العراق وحصلت ما تريد كما نصت عليها المادة (108) من مسودة الدستور.
ونحن نقول ان الثروة النفطية والمعدنية في العراق هي ملك للشعب العراقي ولا يسمح لاحد بالتجاوز على ملكية النفط للشعب كما فعلت الشركات النفطية الأجنبية في العراق سابقاً التي كان همها الاستحواذ على أكبر كمية من النفط والغاز وتحقيق أرباح غزيرة ولا يهمها سلامة الحقول النفطية وسلامة البيئة وإفقار الشعب.
ان الثروة النفطية والمعدنية يجب ان تبقى ملكاً للشعب العراقي فهي تمثل رمز شموخه وكبريائه ونحن لا نجد ان هذه الثروة مضمونة دستورياً كملكية عامة للشعب العراقي والنص الدستوري يجب أن يكون واضحاً في ذلك اضافة لتحريمه الاستثمار الأجنبي والخصخصة.
وكما جاء في المادة (107) من مسودة الدستور (ان النفط والغاز هما ملك كل الشعب العراقي في كل الأقاليم والمحافظات) والمادة (108) التي تنص على (قيام الحكومة الاتحادية بادارة النفط والغاز المستخرج من الحقول الحالية مع حكومات الأقاليم والمحافظات المنتجة...).
ان الصيغة المطروحة للدستور تتهاون كثيراً فيما يتعلق بمركزية القرار وادارة الثروات مما يسبب قلقاً كبيراً بسبب تشتت القرار النفطي بين مراكز عديدة في البلاد حيث تتوزع مسؤوليات الاشراف والادارة بين حكومة المركز والمقاطعات وهذا ما سيفقد السيطرة على مرافق ومجريات الصناعة النفطية ويضعفها.
ان ادراج كلمة الحقول الحالية في مسودة الدستور يعني حصرها بالثروات المستكشفة والمطورة فقط ولا يتضمن الثروات الهائلة في الحقول التي لم تطور وكذلك تلك التي لم تستكشف. ويبقى مستقبل هذه الحقول مجهولاً وهذا لغم آخر وضع في الدستور ممكن ان يفجر الخلاف بين الحكومة المركزية والكانتونات أو الأقاليم والتي ستتحول إلى مقاطعات نفطية يقودها أمراء نفط يستحوذون على حصة من الثروة والتي سيكون فيها النصيب الأكبر للشركات الأجنبية وستثار مشكلة أخرى هي الحقول المشتركة بين إقليم وآخر وهذا بلا شك سيؤدي إلى تفجير نزاعات خاصة وان توزيع الثروات في العراق هو غير متساوٍ وبالتالي ستكون هناك أقاليم فقيرة وأخرى غنية وهذا يساعد على تفتيت عرى الترابط بين أبناء الشعب الواحد ويؤدي إلى منازعات داخل البلد الواحد.
ان النص الدستوري المتعلق بالثروات الطبيعية ملغوم حيث لا يتم التعامل مع العراق كوحدة واحدة ولا يحصر ادارة الثروات بالسلطات المركزية ولا يحل مشاكل الحقول المشتركة بين المحافظات والحقول الجديدة التي اكتشفت ولم تطور أو التي لم تستكشف بعد. اضافة لذلك فإنه ستكون لدينا مقاطعات أو امارات نفطية ضعيفة عسكرياً، والشركات الأجنبية تستغل هذه الثروات ولا بد من حماية الدول الاستعمارية و (اسرائيل) لهذه الشركات وللأمراء الجدد الذين سوف يتلاعبون بأموال شعبنا حيث لديهم سجل سيئ في التصرف بأموال الشعب فكيف سيكون وضعهم بعد أن يصبحوا امراء ورؤساء أقاليم منتجة للنفط.